شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام- الجزء الرابع 
 

صفحه 93

 

الحكم الثّالث

في أنّ وجود الميل الطّبيعي في كلّ جسم

قابل للحركة القسريّة

قال: ولولا ثبوته لتساوى ذو العائق وعادمُه .

أقول: ومنها: أنّه لابدّ في كلّ قابل للحركة القسريّة من مبدأ ميل طبيعيّ فيه ليكون معاوقاً داخليّاً، كما لابدّ في الحركة الطّبيعة من قوام مّا في المسافة ليكون معاوقاً خارجيّاً، إذ الحركة يمتنع تحقّقها بدون معاوق: إمّا داخليّ، أو خارجيّ كما مرّ في مبحث امتناع الخلاء مفصّلاً.(1)

وتقرير البرهان عليه بحسب المعاوق الخارجيّ قد مرّ، وبحسب المعاوق الدّاخلي أن يقال: لو أمكن أن يتحرّك بالقسر ما لا ميل فيه طبيعيّاً، فليتحرّك مسافة في زمان ; وليتحرّك في تلك المسافة جسم آخر فيه مبدأ ميل ومعاوقة مّا. وظاهر أنّه يقطعها في زمان أطول، وليكن جسم ثالث فيه مبدأ ميل ومعاوقة أقلّ على نسبة يقتضي أن يقطع في ذلك الزّمان عن ذلك المتحرّك مسافة أطول من المسافة الأولى على نسبة زماني ذي الميل الأوّل وعديم الميل، لأنّ مع وحدة الزّمان بكون نسبة المسافة القصيرة إلى الطّويلة كنسبة الميل القويّ إلى الضّعيف، فيكون في مثل زمان عديم الميل يتحرّك


1 . لاحظ : الجزء الثالث من هذا الكتاب المبحث السّادس من المسألة الثّانية عشرة من الفصل الأوّل من المقصد الثّاني.


صفحه 94

مثل مسافة، لأنّ مع وحدة المتحرّك يكون نسبة الزّمان إلى الزّمان كنسبة المسافة إلى المسافة.

وإلى هذا أشار بقوله: ولو لا ثبوته ; أي ثبوت الميل مطلقاً، لزم عدم ثبوت الميل الطّبيعي، ولولا ثبوت الميل الطّبيعي لتساوى ذو العائق الطّبيعي لو فرض وعادمه في الحركة القسريّة كما بيّنا.


صفحه 95

 

الحكم الرّابع

في أنّ الميل جنس بحسب تعدّد الجهات

ومتماثل ومختلف باعتبارها

قال: وعند آخرين هو جنس بحسب تعدّد الجهات، وتتماثل وتختلف باعتبارها.

ومنه الثّقل، وآخرون جعلوه مغايراً.

ومنه لازم ومفارق ويفتقر إلى محلّ لا غير.

وهو مقدور لنا.

وتتولّد منه أشياءُ بعضها لذاته من غير شرط، وبعضها لا لذاته.

أقول: ومنها(1): ما اعتقده المتكلّمون فيه على ما قال: وعند آخرين، يعني المتكلمين هو ; أي الاعتماد جنس متعدّد بحسب تعدّد الجهات، فإنّ للجسم بحسب كلّ جهة اعتماد أو تتماثل الاعتمادات وتختلف باعتبارها ; أي باعتبار الجهات، فإن اتحدت الجهات تماثلت الاعتمادات، وإن تعدّدت اختلفت.

ومنه ; أي من الاعتماد الثّقل ; أي عند طائفة منهم كأبي هاشم ومتابعيه.(2) فإنّ عند آخرين كأبي علي ومتابعيه ليس الثّقل من جنس


1 . أي من أحكام الميل فهو الحكم الرّابع.

2 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الخامسة من مبحث الكيف; ومناهج اليقين في أُصول الدّين: 71 ; وشرح المواقف: 5 / 216 ; وشرح المقاصد: 2 / 243 .


صفحه 96

الاعتماد(1)، بل مغاير له على ما قال: وآخرون جعلوه مغايراً للاعتماد، وقالوا: إنّ الثّقل عبارة عن كثرة الأجزاء، فكلّما كان أجزاؤه أكثر كان أثقل.(2)

ثمّ أنّ المتكلمين قسّموا الاعتماد إلى لازم ومفارق، على ما قال: ومنه لازم، كاعتماد الثقيل والخفيف إلى جهتي السّفل والعلو، ومفارق، كاعتماد الثّقيل إلى العُلوّ والخفيف إلى السّفل.

ويفتقر; أي الاعتماد إلى محلٍّ واحد لا غير، لأنّه عرض، ويمتنع حلول عرض واحد في محلّين كما مرّ.

قالوا ـ أعني: المعتزلة منهم ـ وهو أي الاعتماد مقدور لنا حيث يحدث بحسب دواعينا وينتفي بحسب صوارفنا، فكان صادراً بقدرتنا.

وأنّه تتولّد منه، أي من الاعتماد أشياءُ بعضها لذاته من غير شرط، كالألوان، وهي الحركة والسّكون والاجتماع والافتراق، فإنّها تتوّلد من الاعتماد بلا واسطة ولا شرط.

وبعضها أيضاً بذاته، لكن بشرط كالأصوات، فإنّها تتولّد من الاعتماد من غير واسطة، لكن بشرط هو المصاكة.

وبعضها لا بذاته، بل بتوسّط ما يتولّد منه بذاته كالألم، فإنّه يتولّد من الاعتماد بواسطة التّفريق وكالتّأليف، فإنّه يتولّد عنه بواسطة المجاورة.


1 . المصدر السابق.

2 . في د : «الثّقل».


صفحه 97

 

المسألة الثّانية

في أحوال المبصَرات

وفيها فروع:

 

الفرع الأوّل

في أعداد المبصَرات

قال: ومنها: أوائل المبصَرات، وهي اللّون والضوء.

أقول: وقد عرفت أنّ فيها ما هو مبصر بالذّات وما هو مبصر بواسطة، فالكيفيّات المبصرة بالذّات تسمّى أوائل المبصرات على ما


صفحه 98

قال: ومنها; أي من الكيفيّات المحسوسة أوائل المبصَرات(1)، خصّها بالذّكر، لأنّها هي المعدودة من الكيفيّات المحسوسة دون ما يبصر بتوسّطها من الكيفيّات المختصّة بالكميّات. ومن المقادير والأوضاع وغير ذلك، كالاستقامة والانحناء، والتحدّب والتقعرّ، وسائر الأشكال، وكالطّول والقصر، والصّغر والكِبَر، والقرب والبُعد، والتّفرّق والاتّصال، والحركة والسّكون، والضّحك والبكاء، والحسن والقبح، وغير ذلك، لا مثل الرّطوبة واليبوسة على ما توهّم(2)، بل المبصر منهما السَيَلان والتماسك الراجعان إلى الحركة والسّكون، واستواء الأجزاء، واختلافها الرّاجعان إلى الوضع.

وهي (3) اللّون والضوء لا يمكن تعريفهما لظهورهما كما مرّ في الحرارة.

وما قيل (4): من أنّ الضوء كمال أوّل للشّفاف من حيث هو شفاف، أو كيفيّة لا يتوقّف إبصارها على إبصار شيء آخر واللّون بعكسه; فإنّه كيفيّة يتوقّف إبصارها على إبصار شيء آخر هو الضوء.

فتعريف بالأخفى كما لا يخفى. ولعلّ المراد به هو التّنبيه على خواصّهما وأحكامهما ليزداد امتيازهماكما مرّ أيضاً .


1 . أي المبصر أوّلاً وبالذّات مقابل المبصر ثانياً وبالعرض.

2 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 249 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 526 .

3 . أي الأُمور الّتي تدرك بالبصر مطلقاً هي اللّون والضوء.

4 . القائل هو صاحب المواقف. لاحظ : المواقف في علم الكلام: 131 .


صفحه 99

 

الفرع الثّاني

في اللّون والضوء

قال: ولكلّ منهما طرفان.

وللأوّل حقيقة.

وطرفاه السّواد والبياض المتضادّان

طرفا اللّون والضوء

أقول: ولكلّ منهما طرفان(1)، أمّا طرفا اللّون فسيأتي.

وأمّا طرفا الضوء، فالضوء الشديد في الغاية، والضوء الضّعيف في الغاية .

إثبات الألوان

وللأوّل، أي اللّون حقيقة ردّ على مَنْ زعم، كما حكى عنه الشّيخ في "الشّفاء "ما حاصله: أنّه لا حقيقة للّون أصلاً، وأنّ البياض إنّما يتخيّل من مخالطة الهواء الأجسام الشّفافة المتصغّرة جدّاً كما في الثلج، فإنّه لا يثبت هناك سوى مخالطة الهواء، ونفوذ الضوء في أجزاء صغار جمديّة شفافة.


1 . إي كللّ من اللون والضوء طرفان، ففي اللّون السواد والبياض، وفي الضوء أقوى الأضواء وأضعفها.


صفحه 100

وكذا في زبد الماء والمسحوق من البلور(1)، والزّجاج الصّافي، والشّفاف الكبير الحجم إذا عرض فيه شق. وإنّ السّواد يتخيّل من عدم غور الضوء في الجسم لكثافته واندماج أجزائه، فباقي الألوان يتخيّل بحسب اختلاف الشفيف وتفاوت مخالطة الهواء.

ومنهم: من جعل الماء سبباً للسّواد. قال: ولذلك إذا بلّت هذه الأشياء مالت إلى السّواد، لأنّ الماء يخرج الهواء ولا يشف إشفافه ولا ينفذ فيه الضوء إلى السّطوح، فتبقى مظلمة.

ومنهم: مَن جعل السّواد لوناً بالحقيقة وأصل الألوان. قال: ولذلك لا ينسلخ، وأمّا البياض فعارض للمشف بتراكمه، ولذلك يمكن أن يصبغ.

وقال قوم: إنّ الأسطقسات كلّها مشفة، فإذا تركّبت حدث منها البياض على الصّفة المذكورة، بأن يكون ما يلي البصر سطوحاً مسطحة من المشف، فينفذ فيها البصر، والسّواد يعرض إذا كان ما يلي البصر من الجسم زوايا تمنع الإشفاف للأطراف الّتي تقع فيها، فهي وإن أضاءت فيما لا ينفذ فيها الضوء نفوذاً جيّداً تظلم.

ثمّ قال: وبازاء هؤلاء ـ يعني مجموع المذكورين ـ قوم آخرون لا يقولون بالإشفاف ألبتة، ويرون أنّ الأجسام كلّها ملوّنة، وأنّه لا يجوز أن توجد جسم إلاّ وله لون.


1 . نوع من الزجاج.


صفحه 101

ولكن الثقب والمنافذ الخالية إذا كثرت في الأجسام نفذ فيها الشّعاع الخارج عن المضيء إلى الجهة الأُخرى، وتنفذ أيضاً من شعاع البصر فروئي ما وراءها. انتهى.(1)

والمحققون: كما أشار إليه المصنّف على أنّ الألوان كيفيّات متحقّقة في الخارج لا متخيّلة، وأنّ ظهورها في الصّور المذكورة بالأسباب المذكورة لا ينافي تحققّها ولاحدوثها بأسباب أُخر.

قال الشّيخ ما حاصله: إنّه لاشك في أنّ اختلاط الهواء بالمشف سبب لظهور البياض.

ولكنّا ندّعي أنّ البياض قد يحدث من غير هذا الوجه كما في الجصّ، فإنّه يبيّض بالطبخ في النّار ولا يبيّض بالسّحق والدّق ; مع أنّ تفرّق الأجزاء ومداخلة الهواء فيه أكثر.

وكما في البيض المسلوق، فإنّه يصير اشدّ بياضاً، مع أنّ النّار لم تحدث فيه تخلخلاً وهوائيّة، بل أخرجت الهوائيّة عنه. ولو فرض أنّ هوائيّة داخلت رطوبته فبيّضته لكان خُثُورَة(2) لا انعقاداً.

وكما في الدواء الّذي يتّخذه أهل الحيلة (3) ويسمّونه لبن العذراء (4)،


1 . لاحظ: طبيعيّات الشّفاء: 2 / النّفس / 95 ـ 96 / الفصل الرّابع من المقالة الثّالثة.

2 . نقيض الرقَّة، وهو مصدر الشيء الخاثر، وخَثُر اللّبن غلظ. لسان العرب: 4 / 27 / مادة «خثر».

3 . أي أهل الكيمياء.

4 . قال شارح المواقف: وهو خلّ طبخ فيه المردارسنج حتّى انحلّ فيه ثمّ يصفى الخلّ حتّى يبقى شفّافاً في الغاية، ثمّ يخلط هذا الخلّ المصفى بماء طبخ فيه القِلى أوّلاً، ثمّ طبخ فيه المردارسنج ثانياً وصفي غاية التّصفية حتّى يصير الماء كأنّه الدمعة، فإنّه ينعقد ذلك المخلوط فيبيض غاية الأبيضاض كاللّبن الرائب. لاحظ: شرح المواقف: 5 / 237 .


صفحه 102

فإنّه يكون من خلّ طبخ فيه المردارسنج(1) حتّى انحلّ فيه، ثمّ صفي حتّى بقي الخلّ في غاية الإشفاف والبياض، وخلط بماء طبخ فيه القِلى وصفي غاية التصفية ويبالغ فيها، ثمّ يخلط الماءأن فينعقد المنحلّ الشفاف من المردارسنج (2) ويصير في غاية البياض كاللّبن الرائب(3)، ثمّ يجف، وما ذلك لحدث وتفرّق في شفاف ونفوذ هواء فيه، فإنّه كان متفرّقاً منحلاًّ في الخلّ ولا لتقارب أجزاء متفرقة وانعكاس ضوء البعض إلى البعض لأنّ حدة ماء القِلى بالتفريق أولى.(4)

الألوان المتوسطة

واعلم: أنّ كون الألوان ذوات حقائق في الخارج أمر ضروريّ. وليس الغرض من هذه الوجوه إلاّ التّنبيه عليه وإزالة وهم مَن توهّم غيره. فلا يرد عليها ما أورده الإمام في "المباحث المشرقية ": من أنّ لقائل أن يقول على هذه الوجوه جاز أن يكون لتخيّل البياض سبب آخر لا نعلمه، إذ المفروض


1 . في المصدر: «المرداسنج». وهويعمل من الرصاص أو الفضة ويجفّف كما تجفّف الأدويّة المعدنية ليعمل منه دواء.

2 . في المصدر: «المرتك...».

3 . إذا خَثُرَ وأدْرَك اللّبن فهو الرائب.

4 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 96 ـ 98 / الفصل الرّابع من المقالة الثّالثة.


صفحه 103

أنّه لا اعتماد على الحسّ وإلاّ لوجب الحكم بكون الثّلج أبيض حقيقة، هذا.(1)

ثمّ استدلّ في " الشّفاء " على وجوب كون البياض ذا حقيقة غير حقيقة الضوء بأن قال: «لو لم يكن البياض إلاّ ضوء ; والسّواد إلاّ ما قيل لم يكن تركيب البياض والسّواد إلاّ أخذا مسلكاً واحداً.

بيان هذا: أنّ البياض يتّجه إلى السّواد قليلاً قليلاً من طُرق ثلاثة :

أحدها; طريق الغبرة: وهو الطريق السّاذج، فإنّه إذا كان السّلوك ساذجاً يتوجّه إلى الغُبرة، ثمّ منها إلى العُودّيِة، ثمّ كذلك حتّى يسودّ، فيكون سالكاً طريقاً لا يزال يشتدّ فيه السّواد وحده يسيراً يسيراً حتّى يمحض .

الثّاني; إلى الحمرة (2)، ثمّ إلى القتمة، ثمّ إلى السّواد .

الثّالث; إلى الخضرة (3)، ثمّ إلى النيليّة، ثمّ إلى السّواد .

وهذه الطّرق إنّما يجوز اختلافها لجواز اختلاف ما تركّب عنه الألوان المتوسّطة.

فإن لم يكن إلاّ بياض وسواد، ولم يكن أصل البياض إلاّ الضوء. وقد استحال ببعض هذه الوجوه لم يكن في تركّب البياض والسّواد إلاّ الآخذ في طريق واحد لا يقع الاختلاف فيه إلاّ وقوعاً بحسب التنقّص والاشتداد فقط،


1 . هذا على ما نقله المحقّق الشريف. لاحظ : شرح المواقف: 5 / 237 ـ 238 .

2 . أي الطريق الآخذ إلى الحمرة الخ .

3 . أي الطريق الآخذ إلى الخضرة الخ.


صفحه 104

ولم يكن طرق مختلفة. فإذا كانت مختلفة، فيجب أن يكون شوب من غير البياض والسواد على(1) أن يكون شوباً من مرئيّ.

وليس في الأشياء شيء يظنّ أنّه مرئيّ. وليس سواداً ولا بياضاً ولا مركّباً منهما إلاّ الضوء عند من جعل الضوء شيئاً غيرهما. فإن بطل مذهبه امتنع استحالة الألوان في طرق شتّى، وإن صحّ(2) فمن هاهنا يمكن أن يتركّب الألوان. فيكون البياض والسّواد إذا اختلطا وحدهما كانت الطريقة هي طريقة الاغبرار لا غير.

فإن خالط السّواد ضوء، فكان مثل الغمامة الّتي تشرق عليها الشّمس، ومثل الدّخان الأسود تخالطه النّار، فكان حمرة إن كان السّواد غالباً، أو صفرة إن كان السّواد مغلوباً، وكان هناك غلبة بياض مشرق.

ثمّ إن كان هناك صفرة خلطت بسواد ليس له في أجزائه إشراق حدثت الخضرة. وبالجملة: إذا كان الأسود أبطن، والمضيء أظهر، والحمرة بالعكس.

ثمّ إذا كان السّواد غالباً في الأوّل كانت قتمة .

وإن كان السّواد غالباً في الثّاني كانت كراثية تلك الشّديدة الّتي لا اسم لها.

وإن خلط ذلك ببياض كان كهوبة نجارية.


1 . في المصدر: «مع».

2 . أي وإن أمكنت هذه الاستحالة وجب أن يكون مرئي ثالث خارج عن أحكام البياض والسّواد، ولا وجه أن يكون هذا المرئي الثّالث موجوداً إلاّ أن يجعل الضوء غير اللّون.


صفحه 105

وإن خلط بالكراثية سواد وقليل حمرة كانت نيلية .

وإن خلط بالحمرة نيلية كانت أرجوانية.

فبهذا يمكن تأليف الألوان. هذا كلام الشّفاء مع أدنى تلخيص»(1).

ثمّ استشعر(2) اعتراضاً ; وهو أنّ ما ذكرت من دلالة اختلاف طرق تأليف الألوان على كون البياض غير الضوء، إنّما يتمّ لو انحصر تأليف الألوان في أن يكون بامتزاج الكيفيّات، أي السّواد والبياض، وليس يلازم لجواز كون التّأليف بامتزاح الأجسام ذوات الكيفيّات، أي الأسود والأبيض، ولا أقلّ من أن يكون للأجسام مدخل في ذلك، فلا يلزم امتناع اختلاف الطّرق.

فأجاب (3) عن هذا الاعتراض: بأن قال: ولو كانت هذه لا تكون إلاّ باختلاط الأجسام، وقد علم ـ يعني بالتجربة ـ أنّ الأسود لا يصبغ منه الضوء بالعكس جسماً أسود ألبتّة لكان يجب أن تكون الألوان الخضر والحمر إنّما ينعكس منها البياض; ولا ينعكس من الأجزاء السَّود شيء، وخصوصاً وهي ضعيفة منكسرة.

فإن قيل (4): فقد نراها ينعكس عن المخلوط.


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النفس / 98 ـ 99 / الفصل الرّابع من المقالة الثّالثة.

2 . أي الشيخ الرّئيس. لاحظ : المصدر السّابق.

3 . المصدر السابق.

4 . ذكره الشيخ الرّئيس في الشّفاء مع الجواب. لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النفس / 99 .


صفحه 106

فالجواب: أنّ ذلك لأنّ الخلط يوجب الفعل والانفعال، ويجب بسبب ذلك امتزاج الكيفيّة.

ثمّ قال (1): فقد بان من هذا أنّ البياض فالحقيقة في الأشياء ليس بضوء، هذا.(2)

وقال شارح المواقف(3): «وممّا استدلّ به في "الشّفاء " على حصول البياض من غير اختلاط الهواء بالمشفّ أمران:

أحدهما: اختلاف طرق الاتجاه من البياض إلى السّواد حيث يكن من البياض تارةً إلى الغُبرة، ثمّ العُودِية، ثمّ السّواد. وتارةً إلى الحمرة، ثمّ القتمة، ثم السّواد. وتارةً إلى الخضرة، ثمّ النيلية، ثم السّواد، فإنّه يدلّ على اختلاف ما يتركّب عنه الألوان، إذ لو لم يكن إلاّ السّواد والبياض ولم يكن البياض إلاّ بمخالطة الهواء للأجزاء الشفافة، لم يكن في تركيب السّواد والبياض إلاّ الأخذ في طريق واحد ، وإن وقع فيه اختلاف فبالشدّة والضّعف.

وثانيهما: انعكاس الحمرة والخضرة، ونحو ذلك من الألوان، فإنّه لو كان اختلاف الألوان لاختلاط الشّفاف بغيره لوجب أن لا ينعكس من الأحمر والأخضر إلاّ البياض، لأنّ السّواد لا ينعكس بحكم التّجربة.

ثمّ قال: ودلالة هذين الوجهين، على أنّ سبب اختلاف الألوان لا


1 . الشيخ الرّئيس.

2 . لاحظ : المصدر السابق: 100 .

3 . على ما نقله شارح المقاصد والشارح القوشجي.


صفحه 107

يجب أن يكون هو التّركيب من السّواد والبياض أظهر من دلالتهما على أنّ سبب البياض لا يجب أن يكون مخالطة الهواء للأجزاء الشّفافة مع أنّ في الملازمتين نظراً، لجواز أن يقع تركّب السّواد والبياض على أنحاء مختلفة، وإن ينعكس السّواد عند الاختلاط والامتزاج، وإن لم ينعكس عند الانفراد. انتهى»(1).

والجواب عن الأوّل: أنّ تقرير الوجهين بحيث لا يدلّ إلاّ على المطلوب، هو أنّ تركّب الألوان من السّواد والبياض أمرٌ ظاهرٌ ومتّفق عليه، فلو لم يكن البياض إلاّ الضوء لا أمراً غيره لم يكن اختلاف طرق التّركيب.

وعن الثّاني: أنّه لا شك في إمكان اختلاف أنحاء التّركيب من السّواد والبياض، لكن في الشدّة والضّعف، واختلاف الألوان ليس في الشّدة والضّعف فقط.

وعن الثّالث: أنّه لا معنى لعدم انعكاس السّواد من الأسود عند الانفراد مع كونه أقوى جدّاً، وانعكاسه منه عند الاختلاط مع الغير لاسيّما مع الضدّ. وهذا معنى قول الشّيخ: «وخصوصاً هي ضعيفة منكسرة»(2).

وأمّا اعتراض الإمام على هذين الوجهين: «بأنّه يجوز أن يوجد هناك


1 . لاحظ : شرح المقاصد: 2 / 258 ـ 259 ; وشرح المواقف: 5 / 238 ـ 241 ; وشرح تجريد العقائد: 238، قال صدر المتألهين: هذا يعني قوله: ودلالة هذين الوجهين على أنّ سبب اختلاف الألوان الخ ـ تلخيص ما أفاده في الشّفاء. لاحظ : الأسفار: 4 ـ 86 .

2 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 99 .


صفحه 108

أُمور مختلفة لأجلها يحسّ بالكيفيّات المختلفة، وإن لم يكن لها وجود في الحقيقة، كما جاز ذلك في اللّون الواحد»(1).

فالجواب عنه: أنّ الغرض إزالة وَهم من تَوهم هذا الرّأي على تسليم كون الألوان المختلفة متركّبة من السّواد والبياض ; سواء كانت متحقّقة أو متخيّلة.

ثمّ قال الشّيخ: «وأمّا قولهم: إنّ الأسود غير قابل للون آخر، فإمّا أن يعنوه على سبيل الاستحالة، أو على سبيل الصبغ.

فإن عنوا على سبيل الاستحالة، فقد كذبوا، وممّا يكذبهم الشباب والشيب.

وإن عنوا على سبيل الصبغ، فذلك حال مجاورة لاحال كيفيّة .

ولا يبعد أن يكون الشّيء المسودّ لا يكون مسودّاً إلاّوفيه قوّة نافذة متعلّقة قباضة، فيخالط، وينفذ ويلزم، وأن يكون ما هو موجود في الأشياء البيض بخلاف ذلك في طبعه، فلا يمكنه أن يغشى الأسود ويداخله ويلزمه.

على أنّ ذلك أيضاً ليس ممّا لا يمكن، فإنّه إذا احتيل بمثل الاسفيداج وغيره حيلة مّا حتّى يغوص ويتخلّل السّواد صبغه أبيض .

ثمّ قال: وأمّا المذهب الثّاني ـ يعني مذهب القوم الّذين لايقولون بالإشفاف أصلاً ـ فإنّ ذلك المذهب لا يستقيم القول به إلاّ إذا فرض الخلاء


1 . لاحظ : شرح المواقف: 5 / 239 ـ 240 .


صفحه 109

موجوداً، وذلك لأنّ المسام الّتي يذكرونها لا يخلو: إمّا أن تكون مملوّة من جسم أو تكون خالية. فإن كانت مملوّة من جسم: فإمّا أن يكون ذلك الجسم يشف من غير مسام، أو يكون له أيضاً مسام، وينتهي لا محالة: إمّا إلى مشيف لا مسام له، وهذا خلاف قولهم. وإمّا إلى خلاء; فيكون مذهبهم يقتضي وجود الخلاء»(1).

السّواد والبياض طرفان للّون

وطرفاه; أي طرفا اللّون، السّواد والبياض، وهما الأصل في الألوان، وتركّب البواقي منهما كما سيأتي .

وقال قوم(2) الأصل خمسة: السّواد، والبياض، والحُمرة، والصُفّرة والخُضرة، ويحصل البواقي بالتّركيب من هذه الخمسة، بدليل أنّ الأجسام الملوّنة بالألوان الخمسة إذا اسحقت سحقاً ناعماً ثمّ خلط بعضها ببعض، فإنّه يظهر منها ألوان مختلفة بحسب مقادير المختلطات كما يشهد به الحسّ.(3)

قال في " المواقف ": «والحقّ أنّ ذلك; أي تركيب هذه الخمسة على


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 100 .

2 . وهم المعتزلة ومنهم أبو هاشم عبد السّلام بن أبي علي محمّد الجبّائي المتوفّى (321 هـ) وأصحابه. لاحظ : محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخرين: 74 ; ونقد المحصل: 143 ; ومناهج اليقين في أُصول الدين: 63 .

3 . لاحظ : شرح المواقف: 5 / 242 ; وشرح المقاصد: 2 / 260 ; والأسفار: 4 / 88 .


صفحه 110

أنحاء شيء يحدث كيفيّات في الحسّ هي الألوان المختلفة. وأمّا أنّ كلّ كيفيّة لونيّة، فهي من هذا القبيل، فشيء لا سبيل إلى الجزم به».(1)

المتضادّان تضادّاً حقيقيّاً، لكونهما في غاية الخلاف، فلا يجوز اجتماعهما في موضوع واحد .

ولا يلزم من تركّب الألوان كالقتمة منهما اجتماعهما، لأنّ ذلك إنّما يكون بالاستحالة أو باختلاط الملوّنين لا باختلاط اللّونين، على أنّه لو فرض كونه باختلاط اللّونين أيضاً لا يلزم اجتماع جزء صغير من أحد اللّونين مع جزء صغير من الآخر في المحلّ،بل محلّ كلّ منهما جزء آخر من محلّ القتمة مثلاً، فتدبّر.


1 . المواقف في علم الكلام: 132 .


صفحه 111

 

الفرع الثّالث

في أنّ الضوء ليس شرطاً في وجود اللّون

قال: ويتوقّف على الثّاني في الإدراك لا في الوجود .

أقول: قوله: ويتوقّف ; أي اللّون على الثّاني; أي الضوء في الإدراك لا في الوجود، خلافاً للشّيخ (1) وغيره من الحكماء(2).

فإنّهم ذهبوا إلى اشتراط اللّون بالضوء في الوجود، فلا لون عندهم حيث لا ضوء، فإذا وجد الضوء وجد اللّون.

والمتأخّرون استبعدوا ذلك، فجعلوا الضوء شرطاً لرؤية الألوان لا لوجودها(3)، بل هو المشهور عند الجمهور على ما في "المواقف "(4).

وعندي، أنّ الاستبعاد مرتفع، والمطلوب واضح بما قال الشّيخ في "الشّفاء ": «إنّ الأجسام على قسمين: جسم ليس من شأنّه أن يحجب تأثير


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 80 ـ 82 و 88 ـ 89 / الفصل الأوّل والثّالث من المقالة الثّالثة.

2 . كبهمنيار. لاحظ: التحصيل: 690 و 758 / الفصل الرّابع من المقالة الثّانية من الباب الثّالث والفصل السّادس من المقالة الثّانية من الباب الرّابع ; وكذا ابن الهثيم على ما في شرح المواقف: 5 / 243، وشرح تجريد العقائد: 239.

3 . وهو قول كثير من العلماء ومنهم: العلاّمة الحلّي (رحمه الله). لاحظ : مناهج اليقين في أُصول الدّين: 65 ; والكاتبي في حكمة العين. انظر: ايضاح المقاصد: 190; والإيجي في المواقف: 133 ; والتفتازاني في شرح المقاصد: 2 / 268 ـ 269 .

4 . وشرحه. لاحظ: المواقف في علم الكلام: 133 ; وشرح المواقف: 5 / 243 .


صفحه 112

المضيء في قابل النّور كالهواء والماء وهو الشفاف.

وجسم من شأنه هذا الحُجُب، كالجبل والجدار .

والشّيء الّذي من شأنّه هذا الحجب، فمنه ما من شأنه أن يرى من غير حاجة إلى حضور شيء آخر بعد وجود المتوسّط الشفّاف. وهذا هو المضيء، كالشّمس والنّار مثلة غير شفاف، بل هو حاجب عن إدراك ما وراءه.

ومنه ما يحتاج إلى حضور شيء آخر يجعله بصفة. وهذا هو الملوّن.

فالضوء كيفيّة القسم الأوّل من حيث هو كذلك، واللّون كيفيّة القسم الثّاني من حيث هو كذلك.

فإنّ الجدار لا يمكن المضيء أن ينير شيئاً خلفه، ولا هو بنفسه منير فهو الجسم الملوّن بالقوّة، واللّون بالفعل إنّما يحدث بسبب النّور، فإنّ النّور إذا وقع على جرم مّا; حدث فيه بياض بالفعل أو سواد أو خضرة أو غير ذلك.

فإن لم يكن كان أسود فقط مظلماً، لكنّه بالقوّة ملوّن إن عنينا باللّون بالفعل، هذا الّذي هوبياض، وسواد، وحُمرة، وصُفرة، وما أشبه ذلك.

ولا يكون البَياض بياضاً والحُمرة حُمرة، إلاّ أن تكون على الجهة الّتي نراها، ولا تكون على هذه الصّفة إلاّ أن تكون منيرة .

ولا تظن أنّ البياض على الجهة الّتي نراها، والحمرة، وغير ذلك يكون موجوداً بالفعل في الأجسام لكنّ الهواء المظلم يعوق عن إبصاره، فإنّ


صفحه 113

الهواء نفسه لا يكون مظلماً، إنّما المظلم هو الّذي هو المستنير.

وبالجملة: فإنّ الظلمة عدم الضوء في ما من شأنه أن يستنير، وهو الشّيء الّذي قد يرى، فالنّور يرى وما يكون فيه النّور يرى، والشفّاف لا ترى ألبتة، فالظّلمة هي في محّل الاستنارة .

وما يظنّ; أنّ هناك ألواناً لكنّها مستورة ليس بشيء، فإنّ الهواء لا يستر، وإن كان على الصّفة الّتي ترى مظلماً إذا كانت الألوان بالفعل. تأمّل، كونك في غار وفيه هواء كلّه على الصّفة الّتي تظنّه أنت مظلماً، فإذا وقع النّور في جسم خارج موضوع في الهواء الّذي تحسبه نيّراً، فإنّك تراه، ولا يضرّك الهواء المظلم الواقف بينه وبينك، بل الهواء عندك في الحالين، كأنّه ليس بشيء. وإنّما الظلمة، فهي حال أن لا ترى شيئاً، وهو أن لا تكون الكيفيّات الّتي إذا كانت موجودة في الأجرام الّتي لا تشف صارت مستنيرة، فهي مظلمة، فلا تراها ولا ترى الهواء، فيتخيّل لك ما يتخيّل لك لو غمضت العينين وسترتهما فتتخيّل لك ظلمة مبثوثة تراها.

فالجسم الّذي من شأنه أن يرى لونه ; إذا كان غير مستنير كان مظلماً، ولم يكن فيه بالحقيقة لون بالفعل .

لكنّه إن سمّى إنسان الاستعدادات المختلفة الّتي تكون في الأجسام الّتي إذا استنارت صارت واحد منها الشّيء الّذي تراه بياضاً والآخر حمرة ألواناً، فله ذلك، إلاّ أنّه يكون باشتراك الاسم، هذا خلاصة ما في " الشّفاء "»(1).


1 . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 80 ـ 81 .


صفحه 114

وقد يحصل منه: أنّا لا نرى اللّون في الظّلمة، فذلك: إمّا لعدمه في نفسه، وإمّا لوجود عائق عن رؤيته، ولا عائق هناك بالفرض سوى الهواء المظلم، وهو لا يصلح عائقاً، فإنّ الجالس في غار مظلم يرى من في الخارج مع كون الهواء الّذي بينهما مظلماً، فهو لعدمه في نفسه وهو المطلوب.

واعترض المتأخرون عليه (1): بأنّ عدم الرؤية لعلّه لفقدان شرطها وهو إحاطة الضوء بالمرئي، فلا يدلّ على المطلوب.

وأنت إذا أجدت التأمّل. وجردته عن أغشية التوهّم والتخيّل أمكنك أن تعرف إنّ ظنّ كون اللّون الموجود بالفعل في الظلمة غير مرئي لكونه مستوراً بالظّلمة له وجه تخيلي .

وأما ظنّ كونه غير مرئيّ مع وجوده بالفعل، وسلامة الحاسّة، وعدم الحائل، لكونه محتاجاً إلى إحاطة الضوئيّة، فلا معنى له. وأيّ دخل يمكن أن يكون لإحاطة الضّوء باللّون في كونه مرئيّاً سوى جعله موجوداً بالفعل.

وما يتبادر إلى الأوهام من أنّ الضوء يجعل اللّون الموجود ظاهراً للحسّ ومنكشفاً عنده، فلا وجه له، إذ الظّهور والانكشاف لا معنى لهما إلاّ ارتفاع الحائل. فبناء هذا التّبادر وإنّما هو على توهّم كون الظلمة أمراً وجوديّاً عائقاً عن الرّؤية. وقد عرفت بطلانه.


1 . لاحظ : كشف المراد: المسألة الخامسة من مبحث الكيف; والمباحث المشرقيّة: 1 / 302 ـ 303 / الفصل السّادس من الباب الثّالث; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 542 ; وشرح تجريد العقائد: 239 .


صفحه 115

ولو أريد بظهورها للحسّ كونه مدركاً له، فالشعاع البصري مستقلّ في سببّية ذلك، ولا يحتاج إلى انضمام الضوء إليه .

ولو فرض احتياجه إلى ذلك، لم يكن لاشتراط إحاطته بالمرئيّ وجه ألبتّة.

فهذا ما عندي في هذا المقام العويص الّذي قد أطبق المتأخّرون على بطلانه حتّى الحقه بعضهم بالضّروريات .

وظنّي إنّك بعد الإطّلاع على ما نبّهناك عليه لست في ارتياب ممّا ذهب إليه مثل الشّيخ وغيره من أجلّة الحكماء.

واستدلّ ابن الهيثم(1) على اشتراط اللّون بالضوء في الوجود: بأنّا نرى الألوان تضعف وتشتدّ بحسب تضعّف الضوء واشتداده، فكلّما كان الضوء أقوى كان اللّون أشدّ. وكلّما كان أضعف كان أضعف، وكلّ طبقة من الضوء شرط لطبقة من اللّون، فإذا انتفى طبقات الأضواء انتفى طبقات الألوان بأسرها، ويتحدّس منه انتفاء اللّون مطلقاً.(2)

وهذا الاستدلال ممّا ارتضاه كثيرون.

وقال المحقّق الشّريف: إنّما قال: «يتحدّس» ولم يقل «يعلم» لاحتمال


1 . محمد بن الحسن بن الهيثم أبو علي المتوفّى (430 هـ) مهندس من أهل البصرة، يلقّب ببطليموس الثّاني، له تصانيف في الهندسة. ويقول سارطون: إنّ ابن الهيثم أعظم عالم ظهر عند العرب في علم الطبيعة. لاحظ : الأعلام: 6 / 83 ـ 84 .

2 . لاحظ : المواقف في علم الكلام: 133 ; وشرح تجريد العقائد: 239 .


صفحه 116

أن يقال: أنّ انتفاء اللّون المحسوس مع مرتبة من الضوء عند انتفائها ليس لانتفائها، بل لأمر آخر مجهول لنا.

وأيضاً يجوز أن يكون للّون طبقة غير مشروطة بشيء من مراتبِ الضوء، فيوجد تلك الطّبقة في الظّلمة، فيوجد اللّون في ضمنها .

مع أنّ لقائل أن يقول: المختلف بحسب مراتب الأضواء هو الرؤية المشروطة بها، لا اللّون في نفسه، فيكون للرؤية مراتب جلاء وخفاء بحسب شدّة الأضواء وضعفها مع كون المرئيّ الّذي هو اللّون باقياً على حالة واحدة. انتهى.(1)

أقول: توجيه الاعتراف بالحدس بما ذكره أوّلاً وثانياً ليس ببعيد. وأمّا الإعتراض فمبنيّ على التّوهم المذكور آنفاً، فإنّ الجلاء والخفاء هما الظّهور والاستتار.

ثمّ إنّ منهم ; من جعل الظّلمة شرطاً لرؤية بعض الأشياء كالّتي تلمع وتُرى باللّيل من الكواكب والشعل البعيدة، حيث لا تُرى بالنّهار لفقدان شرطها.

وردّ: بأنّ ذلك ليس لتوقّف الرؤية على الظّلمة، بل لأنّ الحسّ غير منفعل باللّيل عن الضوء القوي كما في النّهار، فينفعل عن الضوء الضعيف ويدركه كالهباء الّذي ترى في البيت، إذا وقع عليه الضوء من الكوة ولا يرى في الشّمس .


1 . لاحظ : شرح المواقف: 5 / 244 ; وشرح تجريد العقائد: 239.


صفحه 117

 

الفرع الرّابع

في مغايرة الضوء واللّون

قال: وهُما متغايران حسّاً.

أقول: وهما; أي الضوء واللّون متغايران، ردّ على منَ زعَم أنّ الضوء ليس أمراً مغايراً للّون، وإنّما هو نفس ظهور اللّون .(1)

قال الشّيخ في " الشّفاء ": «من النّاس من ظنّ أنّ هذا النّور لا معنى له ألبتة، وإنّما هو ظهور من الملوّن; بمعنى أنّه نفس اللّون، إذا ظهر ظهوراً بيّناً.

والّذي يفسّر في هذا الباب ما يتخيّل من اللّون (2) من بريق يلزم الملوّنات. وليس ذلك البريق شيئاً في المرئيّ نفسه، بل أمر يعرض للبصر بالمقايسة بين ما هو أقلّ ضوءاً وما هوأشدّ ضوءاً. وشدّة ظهور اللّون لشدّة تأثير الشّيء المضيء.

قالوا: فليُرنا مرئيّ من مثبتي شيء سوى اللّون، أنّ على الحائط الأبيض شيئاً غير البياض وغير ظهور يسمّى ذلك الشّيء شعاعاً.


1 . لاحظ البحث في الكتب التالية: طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النفس/ الفصل الثّاني والثالث من المقالة الثّالثة; وشرح المواقف: 5 / 250 ـ 253 ; وشرح المقاصد: 2 / 268 ـ 269 ; ونهاية المرام في علم الكلام: 1 / 544 ـ 548 ; وايضاح المقاصد: 187 ـ 189.

2 . في المصدر: «مع اللّون».


صفحه 118

فإنّ قايس مقايس ذلك بالظل على الحائط، فذلك الظلّ بسبب ظلمة ما يخفى لها من البياض ما كان يجب أن يظهر، وكأنّه خلط من الظّلمة الّتي لا معنى لها إلاّ خفاء، أو زيادة خفاء. كما أنّ النّور لا معنى له إلاّ ظهوراً وزيادة ظهور .

ومن هؤلاء قوم يرون: أنّ الشّمس ليس ضوؤها إلاّ شدّة ظهور لونها.

ويرون: أنّ اللّون إذا بهر البصر لشدّة ظهوره رؤيَ بريق وشعاع يخفي اللّون لعجز البصر لا لخفائه في نفسه، وكأنّه يفتر البصر عن إدراك الجليّ، فإذا إنكسر ذلك رؤيَ لون .

قالوا: والحيوانات الّتي تلمع في اللّيل إذا لمعت لم يحسّ بلونها ألبتة. وإذا كان نهاراً كان لها لون ظاهر، ولم يكن فيها لمعان.

فذلك اللّمعان هو بسبب شدّة ظهور ألوانها لا غير حتّى يرى في الظّلمة، ويكون في غاية القوّة، فتبهر البصر إذا كانت الظّلمة أضعفته. فإذا أشرق الشّمس غلب ظهورها ظهور ذلك فعاد لونها. والبصر لم يبهرله، لأنّ البصر قد اعتاد لقاء الظّاهرات واشتدّ بطلوع الشّمس.

ومنهم من قال: ليس الأمر على هذه الصفة، بل الضوء شيء، واللّون شيء، لكنّه من شأن الضوء إذا غلب على البصر أن يستر لون ما فيه.

والشّمس أيضاً لها لون، ومع اللّون ضوء، فيستر الضوء اللّون باللّمعان كما للقمر، وكما للسّبحة السّوداء الصقيلة، إذا لمعت رؤيت مضيئة ولم ير سوادها.


صفحه 119

قالوا: وهذا غير النّور. فإنّ النّور هو ظهور اللّون، والضوء ليس هو ظهور اللّون، بل شيء آخر. وقد يخفى اللّون.

وإنّ هذه اللّوامع باللّيل يظهر نورها في الظّلمة، فيخفى لونها، وإذا ظهرت الشّمس غلب نورها وخفى وظهر لونها. هذا محصّل ما في "الشّفاء " في تقرير مذهبهم.

ثمّ أراد إبطاله وقال فتقول: إنّ ظهور اللّون يفهم منه في هذا الموضع معنيان.

أحدهما: صيرورة اللّون بالفعل، والآخر ظهور لون موجود بنفسه بالفعل للعين.

والمعنى الأوّل: يدلّ على حدوث اللّون، أو وجوده لوناً.

والمعنى الثّاني: يدلّ على حدوث نسبة اللّون، أو وجود تلك النّسبة إلى البصر.

وهذا (1) ظاهر الفساد، فإنّه يوجب أن يكون النّور نسبة، أو حدوث نسبة ولا قوام ولا جود له في نفسه.

وإن عني به أنّه مصير اللّون بحيث لو كان بصر لرآه بمعنى(2) أنّه


1 . أي المعنى الثّاني.

2 . في المصدر: «بصر لرآه أو كونه كذلك، فإمّا أن يكون هذا نفس اللّون، أو معنى يحدث إذا زال الخ».


صفحه 120

أمر يحدث إذا زال معنى من خارج كزوال ستر أو غيره، فيكون (1) الضوء غير اللّون.

وأمّا المعنى الأوّل: فلا يخلو أيضاً: إمّا أن يعني بالظّهور خروج من القوّة إلى الفعل، فلا يكون الشّيء مستنيراً بعد ذلك الآن الواحد، وإمّا أن يعني به نفس اللّون، فيكون قوله: الظّهور لا معنى له، بل يجب أن يقال: إنّ الاستنارة هي اللّون.(2)

فإن قررنا الأمر على أنّ الضوء هو اللّون نفسه إذا كان بالفعل، فذلك باطل من وجوه:

أمّا أوّلاً: فلأنّه لا يخلو: إمّا أن يكون الضوء مقولاً على كلّ لون بالفعل، أو يكون البياض وحده لوناً، فيكون السّواد ظلمة، فيستحيل أن يكون الجسم الأسود مشرقاً بالضوء، لكن هذا ليس بمستحيل، فإنّ الأسود يشرق وينوّر غيره فليس الضوء هو البياض وحده، وإن لم يكن الضوء هو البياض وحده، بل كلّ لون كان بعض ما هو ضوء يضادّ بعض ما هو ضوء. ولكن الضوء لا يقابله إلاّ الظلمة، هذا خلف.

وأمّا ثانياً: فلأنّ المعنى الّذي به الأسود مضيء غير سواده لا محالة;


1 . في المصدر: «فإن كان نفس اللّون كان هذا هو الوجه الأوّل، وإن كان حالاً تعرض له بها يظهر فيكون الضوء غير اللّون».

2 . أو يعني به حال تقارن اللّون: إمّا دائماً وإمّا وقتاً مّا، حتّى يكون اللّون شيئاً يعرض له النّور تارة وتعرض له الظلمة أُخرى. واللّون في الحالين موجود بالفعل، فإن كان نفس نسبته إلى ما يظهر له عاد إلى المذهب الآخر، وإن كان شيئاً آخر عاد إلى ذلك أيضاً. كما في المصدر.


صفحه 121

أي بشهادة الحسّ. وكذلك هو غير البياض واللّون، أعني: طبيعة جنسه الّذي في السّواد هو نفس السّواد، واللّون الّذي في البياض هو نفس البياض لا عارض له، فليس اللون المطلق الجنسي هو الضوء.

وأمّا ثالثاً: فلأن الضوء قد يستنير به الشفّاف، كالماء والبلور، إذا كان في ظلمة فوقع عليه الضوء وحده دلّ عليه وأشف، هذا .

وأمّا قول القائل: إنّ الضوء واللّمعان أيضاً ليس إلاّ ظهور اللّون، ثمّ قوله في الأشياء اللاّمعة باللّيل ما قاله، فيبطل بأنّ السراج والقمر كثيراً ما يبطلان لمعان تلك، ويظهران ألوانها.

فيجب أن يكون نور السّراج أشدّ ظهور لون، ويجب أن يكون أيضاً ما يصير بالسّراج ظاهر اللوّن لا يرى في الظّلمة له لون.

وليس الأمر كذلك، فإنّ اللامعات يرى أيضاً لونها بالليّل كما يرى بريقها، فليس ما قالوه بحق .

وأمّا القائل: بأنّ للشّمس والكواكب ألواناً وأنّ الضوء يخفي لونها، فيشبه أن يكون الحقّ أنّ بعض الأشياء يكون له في ذاته لون، فإذا أضاء اشتدّت إضاءته حتّى يبهر البصر فلم يميّز اللّون.

ومنه ما يكون له مكان اللّون الضوء وهو الشّيء الّذي يكون الضوء له طبيعيّاً لازماً غير مستفاد.

وبعض الأشياء مختلط الجوهر من ذلك الأمر: إمّا اختلاط تركّب


صفحه 122

أجزاء مضيئة وأجزاء ذوات ألوان كالنّار، وإمّا اختلاط امتزاج الكيفيّات كما للمِرّيخ ولزُّحل.

وليس يمكنني أن أحكم في أمر الشّمس الآن بشيء. هذا كلام "الشفاء " على نحو من التّلخيص والتّحصيل»(1).

والمصنّف أسند بيان مغايرتهما إلى الحسّ، وأشار بقوله: حسّاً، فإنّ الجسم الأسود إذا وقع عليه ضوء الشّمس شهد الحسّ بوجود شيئين على سطحه:

أحدهما: هو الظّاهر بنفسه للحسّ، هو الضوء.

والآخر: ظاهر له بسببه، هو السّواد.

وكذلك الجسم الأبيض.

فطبيعة الضوء المشتركة بين هذين الضوئين مغايرة لطبيعة اللّون المشتركة بين هذين اللّونين.

فهذا هو الثّاني من الوجوه المذكورة في كلام الشيخ على ما أشرنا إليه هناك .

وأمّا ما استدلّ به الإمام: من أنّ البياض والسّواد يتشاركان في الضوء ويتخالفان في ماهيّتهما، وما به الاشتراك غير ما به الاختلاف(2).


1 . طبيعيّات الشّفاء: 2 / كتاب النّفس / 83 ـ 92 / الفصل الثّاني والثّالث من المقالة الثّالثة.

2 . على ما نقل الشّارح القوشجي، لاحظ: شرح تجريد العقائد: 240.


صفحه 123

فيجوز حمله على الأوّل من تلك الوجوه، أعني قوله (1): «وإن لم يكن الضوء هو البياض وحده بل كلّ لون الخ».

فلا يرد عليه(2): أنّه يجوز اشتراك متخالفي الماهيّة في ظهورهما عند الحسّ.

وذلك: لأنّ الكلام إنّما هو على تقدير، أنّ الضوء هو اللّون نفسه، لا على أن يكون نسبة اللّون إلى الحسّ، فليتدبّر.


1 . أي قول الشيخ الرئيس.

2 . ما أورد الشّارح القوشجي على قوله: «واعترض عليه بجواز اشتراك متخالفي الماهيّة الخ».