welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الاجوبة الهادية إلى سواء السبيل*
نویسنده :عبدالله الحسيني*

الاجوبة الهادية إلى سواء السبيل

(175)

السؤال 64

نجد في نهج البلاغة رسالة عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) إلى معاوية ، جاء فيها «إنّه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد...» .

وفي هذا دليل على أُمور :

1 ـ أنّ الإمام يُختار من قبل المهاجرين والأنصار .

2 ـ أنّ عليّاً(عليه السلام) بُويع بنفس الطريقة التي بُويع بها أبو بكر وعمر وعثمان .

3 ـ أنّ الشورى للمهاجرين والأنصار ، وهذا يدلّ على فضلهم .

4 ـ أنّ قبول المهاجرين والأنصار ورضاهم ومبايعتهم لإمام لهم يكون من رضا الله .

5 ـ أنّ الشيعة يلعنون معاوية ولم نجد عليّاً(عليه السلام) يلعنه في رسالته .

الجواب :

إنّ القرآن الكريم يعلِّم المسلمين كيفية مخاطبة مخالفيهم باتّباع إحدى الأساليب التالية :


(176)

1 ـ إمّا بالبرهان والاستدلال العقلي .

2 ـ أو بالموعظة الحسنة .

3 ـ أو بالجدل ، ومعناه إقامة الدليل على الخصم اعتماداً على ما يعتقده من مسلّمات ومعتقدات(1) .

وهنا نجد أنّ أمير المؤمنين عليّاً(عليه السلام) ومن خلال كلامه في هذه الرسالة قد اعتمد الأُسلوب الثالث مع خصمه اللدود ، وهو الأُسلوب الجدلي ; حيث احتجّ على معاوية بنفس منطقه ومعتقده ، فقال له : إنّ الذين بايعوا الخلفاء الثلاثة ـ الذين تدّعي إيمانك بخلافتهم ـ هم أنفسهم الذين بايعوني ، فلِمَ تقبل بيعة هؤلاء الناس للخلفاء الثلاثة وتمتنع عن قبول بيعتهم لي ؟

فهذا النوع من الخطاب الجدلي لا يدلّ على أنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) يقبل منطق معاوية .

وإذا أردنا أن نتوسّع قليلاً في هذا المطلب ونبيّن أصل الاختلاف فيه ، نقول :

إنّ أمير المؤمنين عليّاً(عليه السلام) قد أمسك بزمام الخلافة بعدما بايعه المهاجرون والأنصار ، وبعد إصرار كبير منهم ، ولعلمه أنّ معاوية لم يكن رجلاً صالحاً يُؤتَمن على إمارة الشام ، فقد قام(عليه السلام) بعزله عن الإمارة مباشرةً ، على رغم ما اقترحه بعض المسلمين بإمهال معاوية حتّى يتمكّن الإمام (عليه السلام)


1 . قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) . النحل : 125 .


(177)

من السيطرة على شؤون الدولة ، وتستتب له الأُمور ، ثم يعزله بعد ذلك، لكنّه(عليه السلام)رفض هذا الاقتراح وعزل معاوية ولم يدعه في منصبه يوماً واحداً .

وهنا قام معاوية ـ طالب الدُّنيا ـ بالتمرّد على الإمام(عليه السلام) بدعوى المطالبة بدم عثمان ، وحاول اتّهام الإمام(عليه السلام) بالمشاركة في قتله .

هذه هي الظروف التي كتب فيها الإمام(عليه السلام) تلك الرسالة لمعاوية ، لخّص له فيها سبب تمرّده وبيَّن له فيها أنّه على علم بما يدور في خَلده ، وهو أنّ قيامك وتمرّدك يعود إلى أمرين :

الأوّل : أنّك تدّعي أنّ خلافتي غير مشروعة ، في حين أنّ خلافتي تتّصف بنفس مواصفات خلافة مَنْ سبقني من جهة الكمّ والكيف ; فالأشخاص الذين بايعوني هم نفس الأشخاص الذين بايعوا الخلفاء الثلاثة .

الثاني : إن كنت تعتمد على اتّهامي بقتل عثمان فأنت تعلم أنّني بريءٌ من ذلك ولذلك كتب في ذيل رسالته: «لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاسِ مِنْ دَمِ عُثْمانَ » .(1)

من هنا يتبيّن لنا أنّ الإمام علياً(عليه السلام) لم يكن في مقام بيان مسألة كلاميّة وعقائديّة ، بل كان في مقام قطع الطريق أمام معاوية الذي تمرّد عليه ، وفَضْح دعواه الزائفة عن طريق سلوك الأُسلوب الجدلي المنطقي .

وكان هذا ديدنه(عليه السلام) مع كثيرين ، فقد واجه طلحة والزبير وكذلك الخوارج بنفس ذلك الاُسلوب المنطقي تفادياً لوقوع الحروب وإراقة الدِّماء .


1 . نهج البلاغة: 3 / 7، الكتاب رقم 6 .


(178)

والنتيجة : أنّ كلّ ما استخلصه السائل من نتائج خمسة ، هو استنتاج واه وبلا أساس .

وأمّا القول بعدم تعرّض عليّ(عليه السلام) إلى لعن معاوية في الرسالة ، فلأجل أنّ الإمام يهدف في هذه الرسالة إلى احتواء معاوية وإعادته إلى جادّة الصواب ، لا إلى مزيد من الإبعاد والنفرة، فلم يكن اللّعن منسجماً مع هدفه (عليه السلام).

ثم لماذا يتغافل جامع الأسئلة عن مواقف الإمام (عليه السلام) مع معاوية المذكورة في نفس نهج البلاغة حيث يصفه بالغدر والفجر ومنها: مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي، وَلكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ. ..؟!(1)

السؤال 65

لا يستطيع الشيعة أن ينكروا أنّ أبا بكر وعمر وعثمان قد بايعوا الرسول(صلى الله عليه وآله) تحت الشجرة «في بيعة الرضوان» وأنّ الله أخبر بأنّه قد رضي عنهم وعلم ما في قلوبهم .(2)

الجواب : أوّلاً : عندما يتعرّض مجتمع من المجتمعات إلى المدح والثناء، فليس معناه شمول هذا المدح جميع أفراد ذلك المجتمع فرداً فرداً ، بل ذلك المدح والثناء يكون لائقاً بالمجتمع ككلّ ، فمثلاً عندما نقول إنّ طلبة


1 . نهج البلاغة: 2 / 180، من كلامه له برقم 200 .

2 . الفتح: 15 .


(179)

الجامعة الفلانيّة مجدّون ومجتهدون فليس معناه انطباق هذا الوصف على كلّ طالب في الجامعة ; لأنّه قد يكون هناك طالب غير مجدّ وغير مجتهد ، بل المقصود هو وصف الحالة العامّة التي تسود تلك الجامعة ككلّ .

وأفضل ما يمكن الاستدلال به في هذا المقام من تاريخ المسلمين ، هو وجود عبدالله بن أُبيّ زعيم المنافقين بينهم ، فقد كان من المشاركين في بيعة الرضوان هو وأتباعه فبايعوا النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، ولو أنهم امتنعوا عن البيعة لذكرهم التاريخ .

وهنا نسأل السائل : هل يمكن الاستدلال بالآية (آية الرضوان) على استقامة عبدالله بن أُبيّ وأتباعه من المنافقين ، وهل يمكن لنا أن نصفهم بالأفضليّة ؟!

ثانياً : إنّ المتدبر في آية الرضوان يجد أنّ رضا الله تعالى لم يكن مطلقاً ، بل كان مختصّاً بالوقت الذي تمّت فيه البيعة فقط، قال سبحانه: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ . . .)(1) ; بمعنى أنّ الله رضي عن المبايعين لرسول الله(صلى الله عليه وآله) في ذلك الوقت بالتحديد ، وهذا لا يكون دليلاً على بقاء ذلك الرضا واستمراره إلى آخر العمر .

وعلى ضوء ما ذكرنا فإن رضا الله سبحانه كان محدداً بوقت خاص، فلو صدر ـ من أحد الذين رضي الله عنهم في ذلك الوقت ـ ما يوجب السخط بعد ذلك كان بمنزلة أنّه نكث بيعته ، فلا يكون ذلك دليلاً على خلاف مفاد


1 . الفتح : 18 .


(180)

الآية لأنّها لم تخبر عن رضا الله سبحانه عنهم في عامة أحوالهم إلى يوم القيامة .

ولذلك نرى أنّه سبحانه يقول في حقهم في آية أُخرى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ... )(1). فالآية ناظرة إلى الذين بايعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تحت الشجرة ومع ذلك يستدرك ويقول: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ)(2).

فتكون النتيجة أنّه قد عمهم رضا الله سبحانه على وجه الاقتضاء لا على وجه العلّة التامة، فلو ثبت في التاريخ نكث البيعة أو انتهاك الحرمة، أو غير ذلك من المعاصي فلا يمكن الاستدلال بالآية على نزاهة الناكثين والهاتكين للحرمة.

إنّ الاعمال الصالحة لا تُعدّ دليلاً قطعياً على حسن مصير الإنسان وقطعيته، ولذا روى البخاري حديثاً عن النبي، جاء في آخره: «إنّما الأعمال بالخواتيم ».(3)

إذ رب إنسان صالح في أوائل حياته يتبدل في أُخريات عمره إلى إنسان طالح، وربّما كان العكس.

وبهذا تبيّن أنّ الآيات المادحة للمهاجرين والأنصار يستدل بها على


1 . الفتح: 10.

2 . الفتح: 10 .

3 . صحيح البخاري: 4 / 233، كتاب القدر، الباب 5، الحديث 7 .


(181)

حسن سلوكهم مالم يدل دليل على خلاف ذلك، فيؤخذ بالثاني من دون أن يكون هناك تعارض بين الدليلين.

السؤال 66

بينما نجد الشيعة يتقرّبون إلى الله بسبّ كبار الصحابة لا سيما الخلفاء الثلاثة ، لا نجد سنيّاً واحداً يسبّ واحداً من آل البيت(عليهم السلام) ؟

الجواب : الشيعة هم أتباع أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) الذي كان يأمرهم دائماً بقوله : «إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين ، ولكنّكم لو وَصَفْتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر»(1) .

إذن ; فالسباب هو تصرّف بعيد عن التربية والأخلاق ، ورسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول : «سِبابُ المؤمنِ فُسوق» كما يدلّ على افتقار صاحبه للعلم والثقافة .

لذلك فإنّ ما يمكن مشاهدته أو سماعه عن الشيعة فهو :

أوّلاً : أنّ عدد أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)قُدّر بمائة ألف شخص ، والمدوّن من أسمائهم هو حوالي خمسة عشر ألفاً والبقيّة المتبقّية مجهولون ، فكيف نقبل بقيام شخص عاقل مثقّف بعداوة وسبّ أشخاص مجهولين لا يعرفهم ؟!

ثانياً : الصحابة الذين ذُكرت أسماؤهم حوالي خمسة عشر ألفاً ـ كما ذكرنا ـ فيهم قسمٌ كبير لم يشاركوا في ظلم أهل البيت(عليهم السلام) ، كما أنّ هناك فريقاً


1 . نهج البلاغة ، الكلمات القصار : 206 .


(182)

منهم كان من أتباع عليّ(عليه السلام) المعتقدين بإمامته من أوّل يوم نصبه فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وكانوا من المدافعين عن حقّه . فكيف نسمح بسبّهم ؟!

أمّا أُولئك الذين تجاوزوا حدودهم في التعدّي على أهل بيت العصمة والطهارة وابتزّوهم وسلبوهم حقوقهم وأنزلوهم من منزلتهم التي ارتضاها الله لهم ، فهم الذين مازالوا مورداً لانتقاد الشيعة وإدانتهم، والميزان في ذلك هو عرض أعمالهم تلك على موازين الإسلام، وعند ذلك يتضح استحقاقهم لذلك الانتقاد والتقريع .

مثلاً وليد بن عقبة قد وصفه القرآن بالفاسق في الآية السادسة من سورة الحجرات ، وهناك فريق ترك النبيّ(صلى الله عليه وآله) قائماً يصلّي الجمعة وتوجّه إلى التجارة واللهو عند سماعه بوصول القافلة المحمّلة بالبضائع، قال سبحانه: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً . . .)(1) .

أفيمكن الترضي عليهم، وطلب الرحمة لهم، أو أنّ الوظيفة في المقام هو التبري من الفاسق والمبتز لكرامة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

والجدير بالذِّكر أنّ الخلفاء والصحابة لم يكونوا يحظون بهذه القدسيّة والعصمة وبهذه المكانّة الرفيعة التي يحاول البعض تصويرهم بأنّهم فوق النقد ولا يمكن الحديث عن تاريخهم وما قاموا به وتحت غطاء كونهم صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن بمرور الزمن جاء من يُضفي هذه القداسة على الصحابة (بدون استثناء) كعنوان مماثل لما يحظى به أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) .

ولنعد مرّةً أُخرى إلى صحيح البخاري ونقلّب صفحاته ونحقّق ما جاء


1 . الجمعة : 11 .


(183)

فيه حول تفسير سورة النور في الحديث رقم 4720 ، حيث نرى أنّ اثنين من كبار الصحابة  ـ أحدهما سعد بن معاذ والآخر سعد بن عبادة ـ تخاصما في محضر النبيّ(صلى الله عليه وآله)حيث قال سعد بن عبادة لسعد بن معاذ : أُقسم بالله إنّك لتكذب! وقال أسيد بن حضير لسعد بن عبادة : أُقسم بالله إنّك أنت الذي يكذب! أنت منافق وتدافع عن المنافقين!! .

هذا هو موقف الصحابة عند أنفسهم في ذلك الوقت فكيف نصفهم بالعدل والقداسة من أوّلهم إلى آخرهم في حياة النبي وبعد رحيله.

إنّ خصام عمّار بن ياسر مع خالد بن الوليد في محضر النبيّ(صلى الله عليه وآله)معروف(1) ، ولم يقل النبيّ(صلى الله عليه وآله) على الإطلاق أنّكما وصفتُما بعضكما بالكذب والنفاق ، وعليه تكونا قد خرجتما من الإسلام .

والنبيّ(صلى الله عليه وآله) وصف قسماً من أصحابه بـ «الفئة الباغية» عندما رأى عمّار بن ياسر ووجهه ملطّخ بالطين والتراب وهو جالس فجعل(صلى الله عليه وآله) يمسح رأسه ويقول : «طوبى ابن سميّة ، تقتلك الفئة الباغية» .

وقال أيضاً : «ما لهم ولعمّار يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار» (2).

أضف إلى كلّ هذا إنّ التكفير واللّعن لا يخرج الإنسان عن الدِّين طِبقاً للمذهب الأشعري. (3)


1 . مستدرك الحاكم: 3 / 29 .

2 . صحيح البخاري: 1 / 115 ; مسند أحمد: 3 / 91 ; مستدرك الحاكم : 3 / 149 ; جامع الأُصول : 9 / 44، الحديث 6583 .

3 . راجع: الفصل لابن حزم: 4 / 204 .


(184)

ثم كيف يدّعي السائل أنّه لم يجد سنيّاً واحداً يسب واحداً من آل البيت!!

فهل نسي ما قام به معاوية من سب الإمام علي (عليه السلام)والأمر بلعنه وسبه على المنابر!!

وهل هو يجهل أو يتجاهل الحيف والضيم الّذي تعرّض له أهل البيت(عليهم السلام)على مرّ التاريخ من سم الإمام الحسن (عليه السلام)مروراً بواقعة كربلاء و... ويكفي أن يراجع في هذا المجال «مقاتل الطالبيين» لأبي الفرج الاصفهاني، ليعرف بطلان ما يدّعيه.

ولا ينسى الكاتب أن يراجع الشعراء الذين أثنوا على قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما فعل ذلك عمران بن حطّان.

السؤال 67

ما دام الأئمّة(عليهم السلام) حسب مفهوم الشيعة يعلمون الغيب ، ألم يكن باستطاعة الحسين(عليه السلام) أن يعلم حاجته إلى الماء أثناء القتال ، وأنّه سوف يموت عطشاً ، وبهذا يستطيع أن يجمع كمّية من الماء كافية للمعركة ؟

الجواب : إنّ جامع الأسئلة لم يقرأ جيّداً تاريخ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وكيف أنّهم كانوا يدرسون الأُمور دراسة وافية ويعدّون لكل شيء عدته. ونحن إذا قرأنا تاريخ الإمام الحسين (عليه السلام)في معركة كربلاء نجده قد حسب


(185)

لكلّ شيء حسابه ومنها توفيره الماء الكافي له ولاصحابه في حلهم وترحالهم، فقد حدّثنا التاريخ أنّ الإمام(عليه السلام)كان قد أخذ معه ما يكفيه من الماء ، ولكن عندما واجهه جيش الحرّ بن يزيد الرياحي ، كان ذلك الجيش قد بلغ مبلغاً عظيماً من العطش ، لدرجة أنّ الواحد منهم كان يتعثّر في مشيه ويسقط من شدّة العطش ، عندها أصدر الحسين(عليه السلام) أوامره لمن كان معه بأن يقدّموا لهم قِرب الماء التي كانت بحوزتهم ـ رغم أنّهم جاءوا لقتاله ـ فشرب أصحاب الحرّ حتّى ارتووا ، وحتّى أن الشخص الذي لم يتمكّن من الشرب بسبب التعب الشديد ، ساعده الإمام (عليه السلام)بنفسه حتّى شرب وارتوى من يده (عليه السلام). فما ادّخره من الماء قد بذله لعدوه الغاشم .

ولا غرابة في ذلك لان الحسين(عليه السلام) هو شبل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)الذي قام معاوية بمنعه وأصحابه من الوصول إلى نهر الفرات حتّى عطش جيشه ، ممّا اضطرّه أن يحمل على عسكر معاوية ، ويجليهم عن الماء ، ويصبح الماء تحت سيطرة جيشه(عليه السلام) ، ولكن أبى عليّ أن يفعل فعلتهم بل أمر أصحابه(عليه السلام) بأن يكون الماء مناصفةً بين جيشه وجيش معاوية .

كما أنّ المصادر الشيعية تؤكد أنّ الإمام (عليه السلام)لم يستسلم للأمر الواقع بل أرسل من يجلب لهم الماء، وفي بعضها قام (عليه السلام)بمحاولة حفر الآبار إلاّ أنّ القوم منعوهم من ذلك ،هذا من ناحية النقل.

وأمّا إذا أردنا أن نحلّل قضية عطشه (عليه السلام)فنقول: هذه قضية تابعة لظروفها الموضوعية، فنحن الآن ندرس القضية على أساس ما جاءنا في بطون الكتب، ومن المعلوم أنّ الّذي وصل إلينا لا يمثل الحقيقة بكل أبعادها


(186)

وجزئياتها، فإنّ الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. بل نرى أنّ الحاضرين في واقعة واحدة تختلف رؤيتهم لطريقة معالجتها، فهذا هو التاريخ يحدثنا عن مخالفة عمر بن الخطاب للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في أكثر من موقع اعتماداً على اجتهاده الخاص وفهمه للواقعة، فقد خالف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في صلح الحديبية، وهو يعلم جيداً منزلة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وحكمته ودرايته، كذلك نراه يقترح معالجة قضية رأس المنافقين عبدالله بن أبيّ بن سلول بالقتل وقد تبيّن خطأ رأيه وصحة رأي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ومدى حنكته (صلى الله عليه وآله وسلم)في المعالجة.

إذاً القضية لا ترتبط بالعلم فقط ولا تنافيه، بل لابدّ أن تدرس القضية من جميع أبعادها.

ومن هنا باعتبار أنّنا نعرّف بالأدلّة القطيعة حكمة الإمام الحسين (عليه السلام)ودرايته وبعد نظره، نسلّم أنّه كان قد بحث القضية من جميع أبعادها وأنّه هو صاحب القرار في اتخاذ الموقف.

واما قضية علم الأئمة للغيب، فقد اجبنا عنها في سؤال متقدم.


(187)

السؤال 68

لقد اكتمل دين الإسلام في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)لقوله تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)(1) ومذهب الشيعة إنّما ظهر بعد وفاته(صلى الله عليه وآله) ؟

الجواب : إنّ التشيّع ليس شيئاً ظهر بعد وفاة نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله) ; لأنّ التشيّع ليس ظاهرة طارئة بعد وفاته، كما زعم السائل، بل انّ التشيّع عبارة عن اتّباع لرسول الله(صلى الله عليه وآله) في كلّ ما جاء به ، ومن جملة ذلك ولاية العترة الطاهرة وهم أحد الثقلين ، وعليه يكون التشيّع بهذا المعنى هو عين الإسلام ، وليس شيئاً منفصلاً عنه ، وكأنّ التشيّع والإسلام وجهان لعُملة واحدة .

إذن : فالتشيّع ليس مذهباً سياسيّاً أو عقائديّاً ظهر بعد عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، بل النبيّ(صلى الله عليه وآله)نفسه أطلق اسم الشيعة على أتباع عليّ وأنصاره ، وقد وردت في ذلك روايات عديدة في تفسير الآية الكريمة(2) : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)(3) . حيث قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «يا علي أنت وشيعتك هم الفائزون».(4)


1 . المائدة : 3 .

2 . الدر المنثور للسيوطي: 6 / 379 ، تفسير سورة البيّنة .

3 . البيّنة : 7 .

4 . راجع: الغدير في الكتاب والسنة والأدب : 2 / 57 .


(188)

وعلى ضوء الروايات المتضافرة إطلاق اسم الشيعة على أنصار عليّ(عليه السلام) هو من صنع رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وقد ورد ذلك في كتب أهل السنّة ، نقل بعضاً منها الطبرسي في مجمعه والسيوطي في الدر المنثور. وأفرد بعض الأصحاب رسالة خاصة في هذا الموضوع وأنهى طرق الحديث إلى أربعين طريقاً شكر الله مساعيه.

ولحسن حظّنا فإنّ السائل استدلّ بآية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وهي الآية التي نزلت يوم الغدير حيث تمّ تنصيب القائد لمستقبل الإسلام ألا وهو عليّ بن أبي طالب على يد رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

السؤال 69

لقد أنزل الله تعالى براءة عائشة في قصّة الإفك الشهيرة ، وطهّرها من هذا السوء ، ثمّ نجد بعض الشيعة لا زالوا يرمونها بالخيانة .(1)

الجواب : لو أنّ جامع الأسئلة كان إنساناً واقعيّاً وموضوعيّاً لأخذ رأي الشيعة من التفاسير المعتبرة للشيعة عندهم! هذه التفاسير التي تنزّه ساحة عائشة عن مسألة الإفك .

كما أن القارئ يمكنه مراجعة هذا الموضوع في التفاسير المعتبرة (2) ،


1 . نسب جامع الأسئلة هذا الكلام إلى عليّ بن إبراهيم القمّي والبحراني في تفسيرهما .

2 . مجمع البيان : 4 / 120 ، تفسير آية (الَّذِينَ جَاءُوا بِالاِْفْكِ . . .) ; الميزان في تفسير القرآن : 15 / 105 ـ 116 .


(189)

فسيجد أن العلاّمة الطباطبائي ردّ روايات أهل السنّة التي تحكي عن سوء ظنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) بزوجته عائشة ، وأثبت بطلانها ، ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو يتعلّق بمن نزلت آيات الإفك في حقّها; فهل هي عائشة أو مارية القبطية؟ وعلى كل حال فالوحي قد برأهما.

والعجيب هنا هو أنّ التفسيرين اللّذين نسب إليهما ما ذكره يصرّحان بأنّه يمتنع على أزواج الأنبياء ارتكاب معصية الزنا والخيانة ، فقالا هذا كضابطة كلّية تشمل جميع زوجات الأنبياء بما فيهنّ كلُّ زوجات نبيّنا(صلى الله عليه وآله) . وقد جاء ذلك في تفسير الآية العاشرة من سورة التحريم التي تتحدّث عن زوجة لوط وزوجة نوح(عليهما السلام) ، حيث قال جاء فيها: (فَخَانَتَاهُمَا)(1) .

إنّ جامع الأسئلة هذا نقل إنّ هذين التفسيرين يتّهمان عائشة بالخيانة ، وقد عرفت أنّهما قد صرحا بامتناع الفاحشة على زوجات الأنبياء مطلقاً من غير فرق بين نبي ونبي ومع ذلك كيف ينسب إليهما ما ورد في السؤال .

ومن الثابت علمياً أنّ تفسير القمّي لا يتمتّع بقيمة علميّة ، لأنّ ناقله شخصٌ مجهول قام بنسبة قسم منه إلى عليّ بن إبراهيم القمّي ، وقسم آخر نسبه إلى زياد بن المنذر المعروف بأبي الجارود والذي يُعدّ ضعيفاً .

ومع هذا كلّه كيف يمكن الاعتماد على مثل هذا الكتاب وعلى من نقل عنه كالبحراني ؟!

وليعلم أنّ الدفاع عن عائشة في هذه القضية ليس معناه الدفاع عن كلّ


1 . التحريم : 10 .


(190)

أعمالها ، فلا شكّ في أنّها قامت بوجه إمام زمانها عليّ(عليه السلام) ، وقادت جيشاً ضده، مخالفة لأمره سبحانه : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)(1) ، وهذا أمر ثابت عند كلّ المفسّرين والمؤرخين ، ولكن بعض أنصار عائشة يبرّرون ذلك محاولين إيجاد العذر لها في الخروج بدعوى أنّها اجتهدت ، وهذا معناه أنّها اجتهدت في مقابل النصّ القرآني الصريح! ، ولا يحق لأيّ مسلم أن يجتهد على خلاف أوامر الله ورسوله .

السؤال 70

إذا كان لعليّ وولديه(عليهم السلام) كلّ تلك الخوارق التي يرويها الشيعة ، فلماذا نجد الحسن يضطرّ للصلح مع معاوية ، والحسين يتعرّض للتضييق ثمّ للقتل ولم يحصل على مبتغاه ؟

الجواب : نقضاً: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) يتمتّع بقدرة كبيرة جدّاً تفوق العادة ، فحادثة المعراج وشقّ القمر وغيرها من المعجزات والكرامات التي ملأت كتب الحديث ونُقِلت بشكل متواتر ، شاهدة على ذلك ; ومع هذه القدرة التي تفوق العادة فإنّه(صلى الله عليه وآله)تعرّض في غزوة أُحد لكسر رباعيّته من قِبل أحد الأعداء حيث رماه بسهم وقيل بحجر ، فأُدمي وجهه الشريف ، واستشهد سبعون صحابيّاً بين يديه. وفي غزوة الخندق ربط حجراً على بطنه الشريف من شدّة


1 . الأحزاب : 33 .


(191)

الجوع ، وفي الحديبيّة اضطرّ إلى عقد الصلح مع مشركي مكّة ، وفي غزوته ضدّ هوازن فرَّ جيشه من المعركة منهزماً ، وفي محاصرته(صلى الله عليه وآله) في الطائف لم يحقّق أيّ انتصار يُذكر .

فلماذا يواجه النبيّ(صلى الله عليه وآله) كلّ هذه المشكلات رغم أنّ له قوّةً خارقة للعادة ؟!

والجواب: حلاًّ : أنّ الأنبياء(عليهم السلام) يعتمدون في تبليغ دعوتهم ومحاربة أعدائهم على أساليب عادية ، ولا يستخدمون قدرتهم التي تفوق العادة إلاّ في إثبات نبوّتهم أو في بعض الموارد الخاصّة التي توجب لجوءهم إلى القوّة الغيبيّة والاستعانة بها .

وكذلك الحال في أمير المؤمنين وأبنائه(عليهم السلام) فإنّهم أُمروا بإدارة شؤون الخلافة والإمامة بالوسائل الطبيعيّة ، ولذلك لم يلجأوا إلى استخدام القوّة الغيبيّة .

ثمّ إنّ السائل الجاهل قد سمح لنفسه بأن يتجرّأ على الإمام الحسين(عليه السلام)وينتقص منه ؟! ليأتي ويقول إنّ الحسين(عليه السلام)لم يحقّق هدفه ؟!

وقد جهل أنّ الحسين(عليه السلام) قد حقّق أقصى هدف له ، لأنّ هدفه كان إيقاظ الهمم وبعث روح حبّ الشهادة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحرير الأُمّة من قبضة الحكّام الأمويّين  الظلمة، بل وتأليب الأُمّة عليهم .

وقد تحقّق له ذلك ، فكلّ الثورات التي أعقبت شهادته(عليه السلام) كانت من ثمار ثورته المباركة .


(192)

إنّ جامع الأسئلة ومروّجها تصوّر أنّ الحسين (عليه السلام) يسعى للحصول على القدرة السياسيّة والسلطنة، ولهذا تراه يقول : إنّه لم يحقّق مبتغاه!! .

لقد أعطى(عليه السلام) بشهادته حياةً جديدة للأُمّة ، وأوجد في المجتمع الإسلامي حياةً اجتماعيّة دائمة ومتجدّدة بفضل تضحيته بحياته الدنيوية ، وفتح صفحة جديدة في حياته البرزخيّة ليحيا فيها خالداً (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ)(1) .

السؤال 71

يزعم الشيعة أنّ فضائل علي والنصوص على إمامته متواترة، والحال أنّ نقلة هذه النصوص والفضائل هم جمهور الصحابة الذين يتهمهم الشيعة بالردّة والكفر، وأمّا الصحابة الذين يواليهم الشيعة ويقولون بثباتهم على الدين فهم نفر قليل لا يثبت بهم التواتر.

الجواب: أوّلاً: إنّ اتّهام الشيعة بقولهم بارتداد الصحابة بعد رحلة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ألصق بجامع الأسئلة وأئمته، فهم الذين قالوا بذلك، وقد سبق منا توضيح ذلك، كما ذكره ابن الأثير في كتابه «جامع الأُصول» في باب سمّاه «حوض الكوثر»، فليراجع ذلك حتّى يُعلم أي الفريقين أولى بهذا الاتهام.


1 . آل عمران : 168 ـ 169 .


(193)

كيف يقول الشيعة بارتداد جمهور الصحابة مع أنّ مائتين وخمسين صحابياً هم من رواد التشيّع وأوائله وقد بقوا على ما كانوا عليه في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من الثبات على ولاية علي (عليه السلام)؟!

ولنترك ذلك كله ولنسأل جامع الأسئلة: هل أنّه قرأ شيئاً من علوم الحديث، وهل علم أنّه لا يشترط في التواتر إيمان المخبرين وإسلامهم، بل يكفي امتناع تواطئهم على الكذب؟ وقد نقلت فضائل أهل البيت والنص على ولايتهم جموع غفيرة من الصحابة والتابعين إلى أن وصلت بأيدينا متواترة بكل طبقاتها ، فمثلاً حديث الغدير قد نقله حوالي 120 صحابياً. وقس على ذلك طبقة التابعين وتابعي التابعين والعلماء في كل عصر وقرن. وهذا يفيد العلم بالخبر، سواء كان المخبرون مسلمين ـ كما هو الحال عندنا ـ أم كانوا غيرهم حَسَب اتّهام السائل الشيعة به، فإنّ دين المخبر لا مدخلية له.

السؤال 72

يدّعي الشيعة أنّ أبا بكر وعمر وعثمان كان قصدهم الرئاسة والملك ، فظلموا آل البيت(عليهم السلام)بغصبهم الخلافة، ولكن نرد على قولهم بأنّ هؤلاء لم يقاتلوا مسلماً واحداً، لتحصيل الولاية والسلطة وإنّما قاتلوا الكفّار والمرتدّين فقط ، وحتّى أنّ عثمان عندما حوصر لم يقتل مسلماً واحداً ؟

الجواب : لا يخفى أنّه لا صلة لدليله بمدّعاه، وذلك لأنّ الشيعة


(194)

يعتقدون أنّ الثلاثة قد تسنّموا منصة الحكم لأهداف دنيوية أعظمها حبّ الرئاسة والتسلّط، وسيوافيك دليل ذلك.

والسائل يرد على ذلك بأنّهم لم يقتلوا مسلماً في طريق الحصول على السلطة وبعده، أفهل يكون هذا دليلاً على أنّهم كانوا متقربين إلى الله بقبولهم الخلافة كصومهم وصلاتهم؟!

وإن كنت في شك في أنّهم تسنّموا الخلافة لرغبة دنيوية فلاحظ كيفية انتخابهم والطريقة الّتي وصلوا بها إلى سدة الحكم، فالأوّل منهم فقد نال الخلافة بحادثة السقيفة، وقد اجتهد عمر وسعى حثيثاً في تثبيت خلافة أبي بكر ، وأمّا عمر فقد اختاره أبو بكر من دون الرجوع إلى أخذ رأي المهاجرين والأنصار ; وقام عمر أيضاً عندما شارف على الموت بجعل الخلافة في مجموعة تتكوّن من ستّة أشخاص بدعوى الشورى ، وكان ترتيب هؤلاء بطريقة يكون فيها حرمان عليّ وإقصاؤه(عليه السلام) من الخلافة أمراً محتوماً ، بحيث يكون أربعة ضدّه، خصوصاً وأنّ عبد الرحمن بن عوف قد قام في إنجاز مهمته بوضع شرطين تكون الخلافة رهن قبولهما، وهما: العمل بكتاب الله وسنّة نبيّه .

والشرط الآخر هو: العمل بسيرة أبي بكر وعمر ، وهو على يقين أنّ الإمام عليّاً (عليه السلام)سيرفض الشرط الثاني ، وكان كما أراد; لأنّ عليّاً(عليه السلام)أعلن التزامه بالعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه فقط ورفض الشرط الثاني.(1)


1 . راجع شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد : 1 / 188 و 194 ; تاريخ اليعقوبي : 1 / 162 .


(195)

فهل بعد ذلك يصح القول بأنّ قبول الخلفاء الثلاثة للخلافة كان لوجه الله وتقرباً إليه تعالى ، مع هكذا ظروف وشروط ؟!

وأمّا كون عثمان لم يقاتل أحداً فلأنّه كان محاصراً وحيداً فريداً وليس له أيّ قدرة حتّى يعطي الأمر بالقتال ، وأمّا في اليوم الذي كانت له فيه القدرة تراه لم يتوان في ضرب وشتم أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) أمثال أبي ذرّ وعمّار وعبدالله بن مسعود و . . . . كما قام بإصدار أمر بمقاتلة المصريّين .

السؤال 73

لقد كفرت القاديانيّة بادّعائها النبوّة لزعيمها ، فما الفرق بينها وبين الشيعة الذين يزعمون لأئمّتهم خصائص الأنبياء و...؟

الجواب : بالرجوع إلى أي كتاب من أحد الكتب العقائدية للشيعة يتّضح الفرق بين الفريقين ; فقياس الشيعة بهم إهانة لهم. فالشيعة يعتقدون أنّ النبوّة قد خُتمت بالنبيّ(صلى الله عليه وآله)، وأنّ الوحي قد انقطع بوفاته(صلى الله عليه وآله) ، وأنّه لن يكون هناك نبيٌّ بعده إلى يوم القيامة .

ولكن كلّ هذا لا يكون مانعاً من أن تشمل عناية الله سبحانه بعض عباده الصالحين فيجعلهم علماء فهماء من عنده من دون أن يدرسوا على يد أحد، كما هو الحال في حق أئمتهم وهذا ليس بأمر غريب وله نظائر، فهذا مصاحب موسى يصفه القرآن الكريم: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ


(196)

عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)(1)، وعلى ضوء ذلك فقد شملت عنايته سبحانه أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فطهرهم من الدنس والذنب وعلّمهم من لدنه ـ من دون أن يكونوا أنبياء ـ ليقوموا بوظائف النبي بعد رحيله باستثناء تلقّي الوحي .

ويشير إلى هذا ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال النبي (صلى الله عليه وآله)لعليّ(عليه السلام) : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»(2) . فأي إشكال في هذا، فإنّ غلق باب النبوة وختمها ليس بمعنى ختم عنايته سبحانه ببعض عباده باللطف والرحمة والكرامة والعظمة.

والخصائص الّتي زعم القائل بأنّ ثبوتها للأئمة يلازم النبوة عبارة عن القول بعصمتهم أو اطّلاعهم على الغيب بإذن الله تعالى، أو ما يشبه ذلك، ولكن السائل غفل عن أنّ العصمة أعم من النبوة، فهذه مريم بنت عمران كانت معصومة ومطهرة ولم تكن نبيّةً.(3)

وهذا مصاحب موسى كان مطلعاً على الغيب ولم يكن نبياً بل كان ولياً من أولياء الله تعالى.(4)

وكان يوسف (عليه السلام)واقفاً على الغيب قبل أن يكون نبياً حيث أخبر صاحبيه في السجن بمصيرهما وأنّ أحدهما يصلب، والآخر يكون ساقياً للملك .(5)


1 . الكهف: 65 .

2 . صحيح مسلم: 7 / 120، برقم : 2404 .

3 . آل عمران: 42 .

4 . الكهف: 79 .

5 . يوسف: 41 .


(197)

والحق أنّ القوم لم يدرسوا مسألة الولاية والخلافة عن النبيّ إلاّ على ضوء الحكومات العامة من وزير إلى رئيس وزراء إلى رئيس جمهورية وغير ذلك، فالإمام والخليفة عندهم كهؤلاء، ومن المعلوم أنّهم لا يوصفون بالعصمة ولا بالاطلاع على الغيب ولا بشيء غير ذلك.

السؤال 74

كيف يُدفن رسول الله(صلى الله عليه وآله) في بيت عائشة ، وأنتم تتّهمونها بالكفر والنفاق ؟ أليس هذا دليلاً على حبّها ورضاه عنها ؟

الجواب : المشكلة كلها متركزة في أنّ جامع الأسئلة يفتقد الاطّلاع على التاريخ ، حيث إنّ المؤرِّخين قالوا: إنّ أوّل اختلاف وقع بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)كان حول مكان دفنه(صلى الله عليه وآله) .

وأبو بكر الذي كان يسكن في منطقة تُدعى «سُنح» جاء وحلَّ هذا الخلاف بقوله : إنّني سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : «يُدفن الأنبياء في المكان الذي ماتوا فيه» . ولذلك يجب دفنه في بيت عائشة .

إذن : فلا علاقة لمكان دفنه(صلى الله عليه وآله) بحبّه لعائشة ورضاه عنها، ولو أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مات في غير بيتها لدفن فيه أيضاً، وهكذا.


(198)

السؤال 75

كيف يُدفن رسول الله(صلى الله عليه وآله) بين أبي بكر وعمر ، وأنتم تقولون عنهما أنّهما كافران ؟ أليس دفنهما معه علامة مكانتهما ومنزلتهما ؟

الجواب : أوّلاً: أنّ الوهابية تعتقد أنّ الإنسان إذا مات لا ينتفع بعمل الغير، فلو صحّ ذلك فالشيخان لا ينتفعان بدفنهما جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وثانياً: أنّ الحجرة التي دُفن فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله) تعود لعائشة بنت أبي بكر ، ولذلك سمحت بدفن أبيها فيها ، كما سمحت لعمر عندما كان مجروحاً وأرسل إليها يطلب منها أن يُدفن في حجرتها أيضاً ، إذن : فإنّ دفن أبي بكر وعمر في الحجرة كان نتيجة إجازة المرأة التي كانت تملك تلك الحجرة في الظاهر . فأجازت دفن أبيها وزميله، ولا علاقة للدفن فيها بالمكانة والمنزلة بعدما كان الأمر بيد بنت أحدهما.

أمّا بالنسبة إلى الشق الثاني من السؤال أعني عدم معارضة الإمام علي (عليه السلام) هذا الأمر، فسكوته (عليه السلام) لا يكشف عن رضاه أوّلاً، وثانياً من المعروف أنّ الدعاية الحكومية وقوّة السلطة صنعت للرجلين منزلة ومقاماً ليس من السهل على الإمام التصدي لها وإزالتها، ولذلك نراه سكت عن المطالبة بحقّه من أجل الحفاظ على مصالح المسلمين.

وممّا يؤسف له أنّ هذه المرأة قد أجازت دفن أبيها وصاحبه في


(199)

حجرتها، ولكنّها لم تجز دفن ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الحسن بن عليّ(عليهما السلام) ، ولذلك دُفن(عليه السلام)في البقيع بعيداً عن جدّه(صلى الله عليه وآله) .

السؤال 76

يدّعي الشيعة أنّ النصّ على إمامة عليّ(عليه السلام)واستحقاقه الخلافة ثابت في القرآن ، ولكن الصحابة كتموه .

وهذه دعوى باطلة ; لأنّنا وجدنا الصحابة لم يكتموا الأحاديث التي يستشهد بها الشيعة على إمامة عليّ(عليه السلام) مثل حديث «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» وغيره من الأحاديث المشابهة ، فلماذا لم يكتموها أيضاً ؟

الجواب : إنّ ظاهر قوله: «ولكن الصحابة كتموه» يحتمل وجهين:

الأوّل: أنّ الضمير يرجع إلى النص القرآني، وهذا افتراء لم يقل به أحد من الشيعة.

الثاني: تفسير النص القرآني، والتصرف في أسباب النزول، وهذا أمر غير منكر. فإنّ آية التطهير نزلت بحق رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين، بينما نرى أنّ عكرمة يدعي نزولها في زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وينادي بأنّه مستعد للمباهلة في ذلك.(1)

حتّى أنّ حديث المنزلة بحق علي الّذي ذكره السائل قد حرّفه بعض


1 . تفسير ابن كثير: 3 / 491، في تفسير الآية 33 من سورة الأحزاب .


(200)

النصّاب وادعوا أنّه هو هكذا: أنت مني بمنزلة قارون من موسى.(1)

ومع ذلك كله نجد من علماء السنة رجالاً مخلصين وأناساً واعين ألفوا كتباً وموسوعات في فضائل أهل البيت ومناقبهم والآيات الواردة في شأنهم على نحو يعجب الإنسان المستقل برأيه .

ولا يؤخذ البريء بذنب المجرم.

السؤال 77

لقد كان الخليفة الحقّ بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو أبو بكر ، والدليل على هذا :

1 ـ اتّفاق الصحابة وإجماعهم على طاعته ، ولو لم يكن خليفة حقّاً لما أطاعوه .

2 ـ أنّ عليّاً(عليه السلام) ما خالفه ولا قاتله .

الجواب : أمّا فيما يتعلّق بالنقطة الأُولى ، حيث يقول : إنّ خلافة أبي بكر كانت باتّفاق الصحابة ، فهذا ادّعاء ليس بعده ادّعاء ، وصاحب هذا الكلام إمّا أنّه لا يعرف ما حدث في سقيفة بني ساعدة ، وإمّا أنّه يعرفها ويُخفيها ; لأنّ مخالفة بيعة أبي بكر ورفضها من قِبل جُلّ المسلمين آنذاك ، أمر ثابت في التاريخ ومن أمثلته ما يلي:


1 . راجع: تهذيب التهذيب: 2 / 209 ; النصائح الكافية لمحمد بن عقيل: 117 .


(201)

1 ـ امتناع قبيلة الخزرج عن بيعة أبي بكر ـ وهي تشكّل نصف الأنصار كما نعلم ـ لأنّ هذا الفريق كان مصمّماً على أن يتولّى زمام الخلافة الصحابي سعد بن عبادة ، ولما تمت الخلافة لأبي بكر بأسباب وأسباب خاف سعد فلحق بالشام ، ولكن للأسف تعرّض هناك لعمليّة اغتيال مدبّرة أودت بحياته ، ولم يُعرف قاتله ، وقد نسبوا عمليّة قتله إلى الجنّ ، يقول شاعرهم :

قد قتلنا سيّد الـ *** ـخزرج سعد بن عبادة
فرميناه بسهميـ *** ـن فلم نخط فؤاده(1)

2 ـ امتناع بني هاشم وعدد من الصحابة عن بيعة أبي بكر ، فتحصنوا في بيت فاطمة (عليها السلام) فتعرّضوا للتهديد من قبل مبعوث الخلافة بأنّه إذا لم يخرجوا للمبايعة فسيتمّ إحراق البيت بمَن فيه ، وهذه الحادثة ليس من السهل إنكارها ، فقد اتفقت المصادر التاريخية على أنّ عمر وقنفذ مولى أبي بكر وغيرهما أتوا دار عليّ(عليه السلام)وكريمة النبيّ(صلى الله عليه وآله)فاطمة الزهراء(عليها السلام)، واقتحموه ليخرجوا من فيه للبيعة.

قال ابن قتيبة: إنّ أبا بكر تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي (كرّم الله وجهه)، فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب، وقال: والّذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنها على مَنْ فيها، فقيل له: يا أبا حفص أنّ فيها فاطمة، فقال: وإن... إلى أن قال: ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتّى أتوا دار فاطمة فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم


1 . تفسير القرطبي: 1 / 317 ; تاريخ مدينة دمشق: 2 / 266 .


(202)

نادت بأعلى صوتها: يا أبت ] يا [ رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة .(1)

وأمّا النقطة الثانية التي قال فيها: إنّ عليّاً ما خالف أبا بكر وما قاتلهُ ، فقد تعرّضنا للحديث عنها مرّات عديدة ، وقلنا خلالها إنّ أمير المؤمنين علياً(عليه السلام)قد ذكر في بعض خطبه(2) علّة سكوته حيث إنّ الأوضاع بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)كانت في غاية الاضطراب لدرجة أنّ قيامه(عليه السلام) من أجل أخذ حقّه سيكون له أثرٌ في إزالة الإسلام من أصله ، فقدّم بقاء أصل الإسلام على المطالبة بحقّه ، لأنّ الأوضاع السائدة آنذاك خيّرته بين أخذ حقّه وزوال أصل الإسلام ، هذا هو الإمام علي (عليه السلام)وقد رفع الستر عن سبب عدم قتاله القوم: «فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أرى فيه ثلمة أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم».(3)

وأمّا بالنسبة للناكثين والقاسطين والمارقين (أصحاب الجمل وجيش معاوية والخوارج) فقد أمره(صلى الله عليه وآله)بقتالهم ، وقد تعرّضنا لهذه المسألة فلا داعي للتكرار .


1 . المصنّف لابن أبي شيبة: 8 / 572; أنساب الأشراف للبلاذري: 1 / 586، طبعة دار المعارف، القاهرة; الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 12 و 13 طبعة المكتبة التجارية الكبرى، مصر; تاريخ الطبري: 2 / 443 طبعة بيروت، ; العقد الفريد لابن عبد ربه: 3 / 87 تحقيق خليل شرف الدِّين; الاستيعاب: 3 / 979 تحقيق علي محمّد بجاوي .

2 . نهج البلاغة ، الخطبة رقم 56 .

3 . نهج البلاغة، الكتاب رقم 62 .


(203)

السؤال 78

يدّعي الشيعة أنّ معاوية كان كافراً ومرتدّاً ، فلماذا سلّم له الحسن(عليه السلام) زمام أمر المسلمين وهو يعلم أنّه مرتدّ  ؟ ولازم ذلك أن يكون علي مغلوباً من المرتدّين وان الحسن قد سلّم أمر المسلمين إلى المرتدّين.

الجواب : يعتقد فقهاء المسلمين ـ شيعةً وسنّة ـ بأنّ معاوية بغى، يعني خرج على إمام زمانه المفترض الطاعة ، فهو معدود عندهم من الظالمين والبُغاة . يقول أحمد بن حنبل : لو لم يُحارب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) البُغاة لما عرف فقهاء الإسلام أحكام البُغاة ،(1) وقد قاتل ثلاث فرق بأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله) هم :

أ ـ الناكثون (أصحاب الجمل) .

ب ـ القاسطون (الظالمين والبُغاة) .

ج ـ المارقون (الخوارج الذين مرقوا وخرجوا من الدِّين) .

ثمّ إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) يستحيل عليه أن يخسر حرباً ، لأنّه عمل بتكليفه، تالياً قوله سبحانه: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ)(2) ، شأنه في ذلك شأن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) الذي قد انهزم ـ في الظاهر ـ في غزوة


1 . شرح احقاق الحق: 31 / 359 .

2 . التوبة: 52 .


(204)

أُحد وغزوة حُنين ، إلاّ أنّ النصر الواقعي كان حليفه لأنّه عمل بتكليفه ووظيفته .

وأمّا ما يرجع إلى الإمام الحسن(عليه السلام) فإنّه لم يلجأ إلى الصلح حتّى يُقال إنّه سلّم زمام أمر المسلمين للبُغاة ، وإنّما أُجبر على الصلح ، وقد أُشير في جواب الأسئلة المتكرّرة الماضية إلى علل صلح الإمام الحسن(عليه السلام) .

وإذا كان الحسن بن عليّ(عليهما السلام) ـ طبقاً لعقيدة صاحب الأسئلة ـ بصلحه مع معاوية قد جعل زمام أمر المسلمين بيد شخص مرتدّ ، فإنّه يجب القول إنّ نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله) الذي عقد صُلح الحديبيّة مع مشركي مكّة قد أودع بيت الله والمسلمين المحتجزين في مكّة بيد المشركين .

والجواب عن كلا الصلحين هو كونهما جاءا تحت الضغط والاضطرار ، وكون المصالح اقتضت ذلك أيضاً .

السؤال 79

إنّ الشيعة تعجز عن إثبات إيمان علي وعدالته، ولا يمكنهم ذلك إلاّ إذا صاروا من أهل السنة و....

الجواب : لقد اعترتني الدهشة حينما بلغتُ هذا السؤال ، فهل يوجد هناك مجال للشكّ والترديد في إيمان وتقوى وإيثار وعدالة شخص مثل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، حتى لا يمكن إثبات ذلك إلاّ إذا كان الشخص سنيّاً ؟!! إذ متى كفر عليٌ (عليه السلام)حتّى يؤمن أو نحتاج لمعرفة إيمانه إلى دليل، إذ أنّه كان مع


(205)

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)منذ صباه يتبعه اتباع الفصيل لأثر أُمّه(1) إلى أن نُبّئ الرسول بغار الحراء يوم الاثنين وهو معه، وآمن علي يوم الثلاثاء .

يعتقد الموافق والمخالف حتّى النصارى والماديون بأنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) هو إنسانٌ كامل يجب أن يكون نموذجاً يُحتذى به لعباقرة العالم ، فهل يصحّ القول إنّه لا يمكن إثبات عدالته إلاّ إذا كان الشخص سنيّاً ، وهذا «شبلي شُمِّيلْ» رجل ماديّ، ليس له ما يربطه بعليّ(عليه السلام) من جهة الإيمان والدِّين ، ينحني إجلالاً وإكباراً أمام عظمة الإمام(عليه السلام) قائلاً : «الإمام عليّ بن أبي طالب عظيم العظماء ، نسخة مفردة لم يرَ لها الشرق ولا الغرب صورة طبق الأصل لا قديماً ولا حديثاً» .

أو ليس عاراً على صاحب الأسئلة يقول: إنّ إيمان عليّ لا يثبت لأحد إلاّ إذا كان سنيّاً .

إنّ جامع الأسئلة لم يقرأ ورقة واحدة من قواعد الحديث ، لأنّه لا يشترط في الخبر المتواتر الإسلام، ولا العدالة ، فما بالك باشتراط كون الشخص الناقل سنيّاً ؟

وأمّا عن الخوارج الذين هم أعدى أعداء عليّ(عليه السلام) فقد كانوا قبل مسألة التحكيم يعتقدون أنّ عليّاً(عليه السلام) هو أفضل وأشرف أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله)قاطبةً . وإنّما انفصلوا عن علي لمسألة التحكيم الّتي فرضوها عليه ـ صلوات الله عليه ـ ثم ندموا وطلبوا من علي نقض العهد. وليس الإمام من الذين ينقضون عهد الله بعد ميثاقه.


1 . لاحظ: نهج البلاغة، الخطبة رقم 192، وهي تسمى القاصعة.