(574)
2
ثناء القرآن على الصحابة
استدلّ غير واحد من القائلين بعدالة الصحابة كلّهم، بآيات ورد فيها الثناء على طوائف منهم، وليس على كلّ الصحابة، لكن حب المستدلين للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأصحابه، حال بينهم و بين ما تهدف إليها آيات الثناء، فزعموا انّها تُثني على الصحابة بأجمعهم وانّه سبحانه شمل الجميع بثنائه وأشاد بفضلهم وفضيلتهم من دون استثناء وإليك هذه الآيات.
الآية الأُولى
يقول سبحانه: «وَالسّابِقُونَ الأوّلون َمِنَ المُهاجرينَ وَالأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبعُوهُمْ بِإِحسان رَضَِي اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعدّ لَهُمْ جَنّات تَجري مِنْ تَحْتهَا الأَنْهارُ خالِدينَ فِيها أَبداً ذلِكَ الْفَوزُ العَظيم».(1)
أثنى سبحانه في هذه الآية المباركة على طوائف ثلاثة عبّر عن كلّ منها بلفظ خاص.
1 . التوبة:100.
(575)
1. السابقون الأوّلون من المهاجرين
أثنى سبحانه على السابقين من المهاجرين وحذف متعلّق السبق، وبما أنّهم من المهاجرين، يُعلم أنّ متعلّقه هو الهجرة أي الذين هاجروا أيّام هجرة النبي أو بعدها بقليل، وبما انّ لفظة «من» في قوله «من المهاجرين» للتبعيض، فهو يخرج المتأخرين في الهجرة فلا يعمّ المهاجرين غير السابقين، وعلى هذا فالآية تنطبق على من آمن بالنبي قبل الهجرة ثمّ هاجر قبل وقعة بدر التي منها ابتدء ظهور الإسلام على الكفر.
وأمّا المهاجرون بعد وقعة أُحد، فلا يمكن الاستدلال بالآية عليهم لعدم وجود الموضوع أي السبق في الهجرة والنصرة.
2. السابقون الأوّلون من الأنصار
أثنى سبحانه فيها على السابقين الأوّلين من الأنصار، وذلك لأنّ قوله: «والانصار» عطف على قوله: «المهاجرين» فيكون تقدير الآية : السابقون الأوّلون من الأنصار، ومتعلّق السبق وإن كان محذوفاً، ولكن كونهم من الأنصار، قرينة على أنّ المراد، السبق في النصرة بالإنفاق والإيواء فلا يدخل فيهم مطلق الأنصار ولا أبناؤهم، وحلفاؤهم، فالآية تثني على السابقين الأوّلين من الأنصار و هم الذين آمنوا بالنبي وآووه وتهيّئوا لنصرته عندما هاجر إلى المدينة، و لا تُثني على عامة الأنصار، وما ذكرناه هو الظاهر من المفسرين . قال الرازي: إنّ الآية تتناول الذين سبقوا في الهجرة والنصرة، فهو لا يتناول إلاّ قدماء الصحابة، لأنّ كلمة «من» تفيد التبعيض .(1)
1 . التفسير الكبير: 16/171.
(576)
دفع وهم
وربمايتوهم انّ الآية بصدد الثناء على عامة المهاجرين والأنصار، وهذا هو الظاهر من خطباء القوم ومؤلّفيهم وهو الذي ذكره الرازي قولاً ثانياً و قال: منهم من قال تتناول الآية جميع الصحابة، لأنّ جملة الصحابة موصوفون بكونهم سابقين أوّلين بالنسبة إلى سائر المسلمين، وكلمة «من » في قوله «من المهاجرين والأنصار» ليست للتبعيض، بل للتبيين، أي والسابقون الأوّلون الموصوفون بوصف كونهم مهاجرين وأنصاراً، كما في قوله تعالى: «فاجتنبوا الرِّجس من الأَوثان»وكثير من الناس ذهبوا إلى هذا القول.(1)
يلاحظ عليه :أوّلاً: أنّ المتّبع في تفسير الآية، هو المتبادر عند أهل اللسان من ظاهر الآية، فإذا كان الصحابة حسب شهادة بعض الآيات منقسمين إلى قسمين سابق في الهجرة والنصرة ولاحق فيهما، يكون السبق واللحوق قائمين بنفس الصحابة، فمنهم سابق ومنهم لاحق لا أنّ كلّهم سابقون، ومن آمن بعدهم لاحقون. يقول سبحانه «لا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبل الفَتح وقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا».(2)
وثانياً: لو كانت الآية بصدد الثناء على عامة المهاجرين والأنصار، بل مطلق الصحابة وإن لم يكونوا منهما، تلزم لغوية قوله: «السابِقُونَ الأَوّلون»، بل يكفي أن يقال: «المهاجرون والأنصار و...»، لأنّ سبب الرضا والثناء هو هجرتهم ونصرتهم لا سبقهم على سائر الاجيال، لأنّ سبقهم على سائر المسلمين في الأجيال اللاحقة لم يكن أمراً اختيارياً لهم، وهذا بخلاف ما لو بان الثناء على
1 . التفسير الكبير: 16/171.
2 . الحديد:10.
(577)
صنف من الصحابة دون صنف، لأنّ سبق الأوّل في الهجرة والنصرة على سائر الصحابة إنّما كان بملاك الاختيار.
و ثالثـاً: إذا كـان المـراد مـن الآيـة عامّة الصحابة الذين أدركوا النبي وأسلموا، يكون المراد من الطائفة الثالثة فـي «و الذّين اتّبعوهم بإحسان» سائر المسلمين في الأجيال المتلاحقة .
فكان اللازم عندئذ أن يقول: «والذين يتّبعونهم بإحسان، بصيغة المضارع لا الماضي، كما أتى به سبحانه في سورة الجمعة وقال: «هُوَ الّذي بَعَثَ فِي الأُميّين رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهم آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلّمُهمُ الكتابَ وَالْحِكْمَةَ وإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبين * وَآخَرينَ مِنْهُمْ لمّا يَلْحَقُوا بِهم وَهُوَ الْعَزِيزُ الحْكيم».(1)
فأراد من الآية الأُولى عامة الصحابة، ومن الآية الثانية «وآخرين َ مِنْهُم لَمّا يَلْحَقُوا بِهمْ» كلّ من يأتي بعد الصحابة إلى يوم القيامة، قال اللّه سبحانه بعث النبي إليهم فإنّ شريعته خاتمة الشرائع .
إلى هنا تمّ تفسير الطائفتين، وإليك بيان الطائفة الثالثة الواردة في الآية.
3. والذين اتّبعُوهم بإحسان
ما هو المراد من الموصول؟! وما هو المراد من القيد بإحسان؟
أمّا الأوّل فالمراد هم الذين تحقق اتباعهم في عصر نزول الآية، لا من يتحقّق في الأجيال الآتية، وبما انّ مبدأ ظهور السابقين، هو ظهور الإسلام في الفترة المكية ومنتهاهم هو انتصار الإسلام على مظاهر الشرك في المنطقة، أعني:
1 . الجمعة:2ـ3.
(578)
غزوة بدر، يكون نهاية هؤلاء مبدأ لظهور الطائفة الثالثة وتتحدد نهايتهم ببيعة الرضوان أو فتح مكة لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا هجرة بعد الفتح».
وأمّا الثاني، فالآية لاتثني على كلّ من اتبع السابقين بالهجرة والنصرة ولكن تقيّد الاتّباع بقوله: «بإحسان» أي يكون الاتّباع مقروناً ومصحوباً بالإحسان في القول والعمل، فتقييد الرضا بحسن سلوكهم وسيرتهم يخرج من هاجر ونصر، من دون اتّباع مصحوب بإحسان، بأن ساءت سيرته، ولم يحسن سلوكه .
واللّه سبحانه يعلن رضاه عن هذه الطائفة مثل السابقين ويقول: «رَضِي اللّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ».(1)
فلو وجدنا صحابياً آمن وهاجر أو نصر النبي ولكن شككنا في حسن سلوكه وسيرته، لا تكون الآية دليلاً على رضاه سبحانه عنه، للشكّ في شمول الآية له فضلاً عمّن ثبت سوء سيرته.
هذا ما هو المتبادر والمفهوم من الآية، وهي دليل قاطع على أنّه سبحانه رضي عن طوائف ثلاث من الصحابة، لا عن كلّهم، والاستدلال به على الموجبة الكلية«عدالة كلّ صحابي» كما ترى.
الآية الثانية
استدلّوا على عدالة الصحابة بآية ثانية، نظيرة الآية المتقدّمة في تصنيف الصحابة إلى أصناف ثلاثة.
وهذه الطوائف الثلاث التي أشارت إليها الآية عبارة عن:
1. الفقراء المهاجرين.
1 . المجادلة:22.
(579)
2. الذين تبوّءُوا الدار والإيمان (الأنصار).
3. والذين جاءوا من بعدهم .
ولكلّ من الأصناف سمات و ميزات، مذكورة فيها ويتميزون بها عن سائر الصحابة قال سبحانه : «لِلْفُقراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَموالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُون * وَالّذينَ تَبَوَّءُو الدارَ والإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحبُّونَ مَن هاجَر إِليهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِمْ وَلَو كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُون * وَالَّذينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقُونا بِالإِيمان وَلا تَجْعَل في قُلُوبِنا غِلاً لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحيم».(1)
فهذه الآيات الثلاث نظير ما تقدّم من الآيتين، لا تُثني على عامّة الصحابة، بل على فريق منهم.
أمّا المهاجرون فتثني على من تمتّع منهم بالصفات التالية:
أ. «أُخرجوا من ديارهم وأموالهم».
ب. «يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً».
ج. «ينصرون اللّه ورسوله».
فمن تمتّع بهذه الصفات الثلاث من المهاجرين فقد أثنى القرآن عليه، وبما انّ من أبرز صفاتهم، كونهم مشرّدين من ديارهم وأموالهم، فيكون المقصود هم الذين هاجروا قبل وقعة «بدر». فينطبق على السابقين الأوّلين من المهاجرين في
1 . الحشر:8ـ10
(580)
الآية السابقة.
وأمّا الأنصار فإنّما تثني على من تمتّع منهم بالصفات التالية:
أ.«تبوّءُو الدار والإِيمان مِنْ قَبْلِهِمْ » أي آمنوا باللّه ورسوله، فخرج بذلك من اتّهم بالنّفاق وكان في الواقع منافقاً.
ب. «يُحبُّونَ مَن هاجَر إِليهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجة مِمّا أُوتُوا ».
ج.«وَيُؤثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِمْ وَلَو كانَ بِهِمْ خَصاصَة».
وبما انّ من أبرز صفاتهم، هو إيواء المهاجرين والأنصار وإيثارهم على الأنفس، فيكون المراد من آمنوا بالنبيّ وآووه وآووا المهاجرين، فينطبق على من آمن وآوى قبل غزوة بدر لانتفاء الإيواء بعدها خصوصاً بعد إجلاء «بني قينقاع» غبَّ معركة «بدر» حيث خرجوا من قلاعهم وأموالهم وأسلحتهم، تاركين جميع ذلك للمسلمين. فينطبق على السابقين الأوّلين من الأنصار في الآية السابقة.
وأمّا التابعون لهم، أعني: الذين جاءوا من بعدهم فإنّما أثنى على من تمتع منهم بالصفات التالية:
أ.« يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقُونا بِالإِيمان ».
ب.«وَلا تَجْعَل في قُلُوبِنا غِلاً لِلَّذينَ آمَنُوا».
فالعلائم المذكورة للطائفة الثالثة، كناية عن الاتّباع بإحسان الذي ورد في الآية الأُولى، فتنبطق على التابعين فيها.
فظهر انّ الآيات الواردة في سورة الحشر، تتّحد مضموناً مع ما ورد في سورة التوبة ولا تختلف عنها قيد شعرة.
فالاستدلال بهذه الآيات وما تقدّمها على أنّ القرآن أثنى على الصحابة جميعهم من أوّلهم إلى آخرهم ـ الذين ربّما جاوز عددهم المائة ألف ـ غفلة عن
(581)
مفاد الآيات; فأين الدعاء والثناء على لفيف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم المتمتّعين بخصوصيات معيّنة، من الثناء على الطلقاء والأعراب وأبناء الطلقاء والمتّهمين بالنفاق؟!
وأين هذه الآيات من مدح خمسة عشر ألف صحابي سُجّلت أسماؤهم في المعاجم، أو مائة ألف صحابي صحبوا النبي في مواقف مختلفة ورأوه وعاشروه؟!
الآية الثالثة
استدلّوا بآية ثالثة نزلت في مورد بيعة الرضوان وأبدى سبحانه رضاه عن المبايعين، وقال:
«لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَل السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً».(1)
فالآية تثني على مَن صحبوا النبي في الحديبية وبايعوه تحت الشجرة، وكان ذلك في السنّة السادسة من الهجرة، وقد رافقه حوالي ألف وأربعمائة أو ألف وستمائة أو ألف وثمانمائة.(2)
والثناء على هذا العدد القليل لا يكون دليلاً على الثناء على جميع الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم!!
كما أنّ الرضا محدّد بزمان البيعة حيث قال: «إذ يبايعونك» ولا يشمل الفترات المتأخرة عنها.
1 . الفتح:18.
2 . السيرة النبوية:2/309; مجمع البيان:2/288.
(582)
الآية الرابعة
استدلّوا على عدالتهم بآية رابعة تذكر سمات أصحاب النبي وصفاتهم، يقول سبحانه:
«مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّه وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيل كَزَرْع أَخْرَجَ شَطأَهُ فَآزَرَهُ فَاستَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاع لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات مِنْهُمْ مَغْفِرةً وَأَجراً عَظيماً».(1)
فهذه الآية بظاهرها أوسع دلالة ممّا سبق، لأنّها تثني على النبي ومن معه، ولكن مدلول الآية ـ في الحقيقةـ ليس بأوسع ممّا سبق، وذلك للقرائن التالية:
الأُولى: الصفات التالية لم تكن متوفرة في عامّة الصحابة، أعني بها:
أ. «أشدّاء على الكفّار».
ب. «رُحماء بَينَهُمْ».
ج.« تَراهُمْ رُكّعاً سُجّداً».
د. « يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً».
هـ.« سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود».
فهل الذين أراقوا دم عثمان وقتلوه في عقر داره كانوا من غير الصحابة؟!
وهل الذين خضّبوا الأرض بدم الصحابة في ميادين القتال كانوا من الأجانب؟! فما لكم كيف تحكمون.
1 . الفتح :29.
(583)
فإذا كانت أعمالهم الإجرامية من مصاديق التراحم فكيف يكون تباغضهم ومشاجراتهم؟!
وهل كان في وجوه الأعراب والطلقاء وأبنائهم والذين آمنوا بعد الفتح أثر للسجود؟!
الثانية: انّ ذيل الآية يشهد بأنّ الثناء على قسم منهم، يقول تعالى: «وَعَدَ اللّهُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرةً وَأَجراً عَظيماً» فانّ لفظة «من» في قوله: «منهم» للتبعيض، وما يقال من أنّ «من» بيانية غير صحيح، لأنّها لا تدخل على الضمير مطلقاً في كلامهم وإنّما تدخل على الاسم الظاهر، كما في قولك: «فاجتنبوا الرجس من الأوثان»(1).(2)
الثالثة: انّ الآية نزلت قبل فتح مكة وبعد الحديبية، والمراد من قوله سبحانه في هذه الآية: «إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً»هو الفتح في صلح الحديبية، وفيه إخبار عن فتح مكة في المستقبل بقوله: « لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنينَ مُحَلِّقينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ لاَ تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً».(3)
فالآية تتضمن الإخبار عن فتحين آخرين:
1. عمرة القضاء وأشار إليه بقوله: «لتدخلنّ المسجد الحرام».
1 . الحج:30.
2 . وربما يستشهد على دخول من البيانية على الضمير بقوله تعالى: ( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ». والاستدلال مبني على عود الضمير في تزيلوا إلى المؤمنين، والضمير في «منهم» إلى الذين كفروا، ولكنّه غير صحيح ، بل الضميران جميعاً يرجعان إلى مجموع المؤمنين والكافرين من أهل مكة فتكون «من» تبعيضية لا بيانية.
3 . الفتح:27.
(584)
2. فتح مكة وأشار إليه بقوله: «فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً».
فإذا كانت الآية ممّا نزلت في السنّة السادسة وحواليها، فلا تكون أوسع دلالة من الآيات النازلة بعدها في السنّة التاسعة كما نقلناه، فالثناء المطلق في الآية على مَن كان مع النبي «والّذين مَعَه» يحمل ويخصص بما خصصه القرآن في آيات أُخرى كالآيات المتقدّمة.
وعلى ضوء ما تقدّم، نصل إلى النتيجة التالية: انّ ما اشتهر على الألسن من ثناء القرآن على صحابة الرسول قاطبة وتعديله إياهم ممّا لا أساس له، وإنّما وقع الثناء ـ بعد ضمّ بعضها إلى بعض ـ على لفيف منهم وطائفة خاصّة.
(585)
إنّما الأعمال بالخواتيم
هذا العنوان كلمة قدسية قالها النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيما رواه البخاري عنه، وذكر في الباب روايتين تدلاّن على أنّ الملاك للنجاة هو خواتيم الأعمال نذكر واحدة منها.
أخرج البخاري عن سهل : أنّ رجلاًمن أعظم المسلمين غناءً عن المسلمين، في غزوة غزاها مع النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فنظر النبيّـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: «من أحبّ أن ينظر إلى الرّجل من أهل النار فلينظر إلى هذا، فاتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشدّ الناس على المشركين حتّى جرح، فاستعجل الموت، فجعل ذبابة سيفه بين ثَدييه حتّى خرج من بين كتفيه، فأقبل الرّجل إلى النبيّـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مسرعاً، فقال: أشهد أنّك رسول اللّه، فقال: «وما ذاك؟». قال: قلت لفلان: «من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه». وكان من أعظمنا غناء عن المسلمين، فعرفتُ أنّه لا يموت على ذلك، فلمّا جرح استعجل الموت فقتل نفسه، فقال النبيّـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عند ذلك: «إنّ العبد لَيعملُ عَمَل أهل النّار وانّه من أهل الجنّة، ويعمل عمل أهل الجنّة وإنّه من أهل النار، وإنّما الأعمال بالخواتيم».(1)
وكم من إنسان حسنتْ حياته في أوائل عمره، ثمّ تبدلت وساءت سيرته وسلوكه، وحبطت أعماله الصالحة أتى بها في أوائل عمره أو أواسطه يقول سبحانه:
1 . صحيح البخاري:4/233، كتاب القدر، الباب5، الحديث 6607; سنن الترمذي:4، كتاب القدر، الباب5 ، الحديث2137. والحديث الوارد في السنن غيره في صحيح البخاري.
(586)
«يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصواتكُمْ فوقَ صوتِ النَّبيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض ان تَحبَطَ أَعمالُكُمْ».(1)
والقرآن يحدث عمّن أُوتي آيات اللّه في مقتبل عمره، لكنّه ساءت سيرته في الفترة الأخيرة من عمره فصار من الغاوين ، ويقول: « و اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذي آتَيْناهُ آياتِنا فَانسَلَخَ مِنْها فأَتبَعَهُ الشَّيطانُ فكان مِنَ الغاوين».(2)
وهذا هو قارون بني إسرائيل كـان يقـرأ التوراة بصوت حسن، ولكنّه ساء سلوكه فخسف سبحانه به وبداره وكنزه.(3)
وعلى ضوء ذلك فما مرّ من الآيات التي تُثني على فئات من الصحابة لا يحتج بها على صلاحهم إذا ثبت بالأدلّة القطعية انحرافهم عن الطريق المهيع، واقترافهم المعاصي ومحاربتهم الحق والحقيقة.
وممّا لا شكّ فيه وقوع التشاجر بين الصحابة ، كما دارت بينهم معارك دامية، قُتل على أثرها لفيف من البدريين والأُحديين وغيرهم من المسلمين الأبرياء وعندئذ يقال: إنّما العبرة بخواتيم الأعمال، وثناء القرآن عليهم إنّما كان بحسب ملابساتهم وأحوالهم يوم ذاك. فكانوا من الصلحاء وليس من المستحيل أن ينسلخوا من تلك الأحوال كما انسلخ غيرهم.
1 . الحجرات:2.
2 . الأعراف:175.
3 . القصص:81.
(587)
3
ثناء النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ
على الصحابة
استُدلّ على عدالة الصحابة بثناء النبي عليهم، ونحن نذكر منه ما هو المهم:
1. حديث انّ اللّه اطّلع على أهل بدر...
أخرج البخاري عن علي(رضي اللّه عنه) قال: بعثني رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبا مرثد والزبير، وكلُّنا فارس، قال: انطلقوا حتّى تأتوا روضة خاخ، فانّ بها امرأة من المشركين، معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقلنا: الكتاب، فقالت: ما منّا كتاب، فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتاباً، فقلنـا: ماكذب رسول اللّه، لتُخرجنّ الكتاب أو لنجرّدنّك، فلمّـا رأت الجدّ أهوت إلى حُجْزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقال عمر: يا رسول اللّه، قد خان اللّه ورسوله والمؤمنين، فدعني لاضرب عنقَه، فقال النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: واللّه ما بي أن لا أكونَ مؤمناً باللّه ورسولهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أردت أن يكون لي
(588)
عند القوم يد يدفع اللّه بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلاّ له هناك من عشيرته من يدفع اللّه به عن أهله وماله. فقال النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : صدق، ولا تقولوا له إلاّ خيراً.
فقال عمر: إنّه قدخان اللّه ورسوله والمؤمنين، فدعْني فلأضرب عنقه، فقال: أليس من أهل بدر؟ فقال: لعلّ اللّه اطّلع على أهل بدر، فقال: إعمَلوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة، أو قد غفرتُ لكم، فدمعت عينا عمر، وقال: اللّه ورسوله أعلم.(1)
هذا الحديث وإن أخرجه البخاري وأسنده إلى علي ـ عليه السَّلام ـ ولكنّنا نجلّ الإمام أمير المؤمنين عليّاً ـ عليه السَّلام ـ عن رواية هذا الحديث عن رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فانّ مضمونه يشهد على كذبه، إذ كيف يمكن للنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يُعطي الضوء الأخضر لجماعة من الصحابة يناهز عددهم الثلاثمائة، ويسمح لهم أن يفعلوا ما يشاءُون، وإن اقترفوا الكبائر وارتكبوا المعاصي وإن سفكوا الدماء وخضّبوا بها وجه الأرض.
إنّه سبحانه يخاطب النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقوله: «لئن أشركتَ لَيَحْبِطنَّ عَمَلك».(2) فهل يُعقل أن يسمح للبدريين أن يفعلوا ما شاءوا وأن يُبشرهم بالجنة؟! وقد تقدّم آنفاً انّ النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ اقتصّ من الحارث بن سويد بن الصامت البدريّ لقتله المجذر بن زياد.
وهذا هو حاطب بن أبي بلتعة يُصبح عينَ المشركين بالمدينة، ولكنّه بالرغم من ذلك يدخل الجنة!! مع أنّ الجاسوس إذا كان مسلماً، يتجسّس لصالح الكفّار يقتل، أو يوجع ويعزّر على اختلاف في المذاهب.(3)
1 . صحيح البخاري:3/11، برقم 3983.
2 . الزمر:65.
3 . الموسوعة الفقهية:10/ 163ـ 165.
4 . المسند الجامع:10/782 برقم 8219 نقله عن مسند عبد بن حُميْد.
5 . النحل:16.
6 . الأنعام:97.
(589)
2. حديث «مثل أصحابي كالنجوم»
أخرج ابن حميد عن نافع عن ابن عمر، انّ رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: مثل أصحابي مثل النجوم يهتدى به، فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم.(4)
يلاحظ عليه : أنّ متن الحديث يكذِّب صدوره، إذ ليس كلّ نجم هادياً في البرّ و البحر، بل هناك نجوم خاصة للاهتدا،ء ولأجل ذلك قال سبحانه: «وَعَلامات وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون» .(5)
وأمّا قوله سبحانه: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ وَالْبَحْر قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوم يَعْلَمُونَ»(6) فاللام في النجوم للعهد أي النجوم المعهودة التي كانت العرب يومذاك يهتدون بها في البر والبحر وليست للاستغراق.
ولا يتمشّى ذلك الحمل في الحديث بأن يحمل على فئة من الصحابة، لأنّ الغاية فيها التبسيط والتعميم لكلّ صحابي كما هو صريح قوله: «فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم» فلا محيص من حمل «كالنجوم» على الاستغراق، والحال انّه ليس كلّ نجم هادياً.
ولو افترضنا الاهتداء بكلّ نجم في السماء، أفهل يمكن أن يكون كلّ صحابي نجماً لامعاً هادياً للأُمّة؟ فهذا قدامة بن مظعون، صحابي بدري يعد من السابقين الأوّلين ومن المهاجرين الهجرتين، قد شرب الخمر وأقام عليه عمر الحدّ،
(590)
كما أنّ المشهور انّ عبد الرحمان الأصغر بن عمر بن الخطاب قد شرب الخمر.(1)
كما أنّ بعض الصحابة أراق دماءً طاهرة فمن استقصى تاريخ حياة بسر بن أرطأة يجد انّه اقترف جرائم كثيرة، حتّى أنّه قتل طفلين لعبيد اللّه بن عباس!! و كم بين الصحابة من رجال قد احتفل التاريخ بضبط مساويهم، أفبعد هذه البيّنات يصحّ لأحد أن يتقوّل بأنّهم جميعاً وبلا استثناء كالنجوم يهتدى بهم؟!
يقول أبو جعفر النقيب: إنّ هذا الحديث من موضوعات متعصبة الأموية فانّ منهم من ينصرهم بلسانه وبوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف.(2)
ولعل القارئ الكريم يتصوّر انّ أباجعفر النقيب ممن ينفرد في شأن هذه الرواية و ليس الأمر كذلك ، بل حكم بوضعها كثير من محقّقي السنّة يقول ابن حزم في رسالة إبطال الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد: وهذا ـ أي حديث النجوم ـ خبر مكذوب موضوع باطل لم يصحّ قط.(3)
وقال الحافظ الكبير الذهبي في ترجمة جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القاضي: ومن بلاياه عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أصحابي كالنجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى.(4)
وقال أيضاً في ترجمة زيد بن الحواري العَمِّي.
1 . أُسد الغابة: 3/312.
2 . شرح ابن أبي الحديد: 20/12.
3 . البحر المحيط:5/528.
4 . ميزان الاعتدال:1/413برقم 1511.
(591)
روى نعيم بن حماد، حدّثنا عبد الرحيم بن زيد العَمِّي، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعاً: سألت ربي بين ما اختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى اللّه إليّ : يا محمد إنّ أصحابك عندنا بمنزلة النجوم بعضهم أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء ممّا هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى. فهذا باطل، و عبد الرحيم تركوه، ونعيم صاحب مناكير.(1) إلى غير ذلك من الكلمات حول الحديث.
ثمّ إنّ الحديث قد روي بصور مختلفة:
أ. أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم
رواه ابن عبد البر في جامع العلم (2/91) ،و ابن حزم في الأحكام (6/82) من طريقة سلام بن سليم، قال: حدثنا الحارث بن غصين، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً به. وقال ابن عبد البر: هذا إسناد لا تقوم به حجّة، لأنّ الحارث بن غصين مجهول.
وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروى الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك».(2)
ب. مهما أُوتيتم من كتاب اللّه فالعمل به ، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب اللّه، فسنّة منّي ماضية، فإن لم يكن سنة منّي ماضية، فما قال أصحابي، إنّ أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيّها أخذتم به اهتديتم، واختلاف
1 . ميزان الاعتدال:2/102 برقم 3003 .
2 . سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة:1/144.
(592)
أصحابي لكم رحمة.
أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الدراية ، ص 48، وكذا أبو العباس الأصم وابن عساكر (7/315/2) من طريق سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً.
وهذا اسناد ضعيف جداً، سليمان بن أبي كريمة، قال ابن أبي حاتم (2/1/138) عن أبيه: «ضعيف الحديث».
وجويبر هو ابن سعيد الأزدي متروك، كما قال الدارقطني والنسائي وغيرهما، والضحاك هو ابن مزاحم الهلالي لم يلق ابن عباس.(1)
ج. سألت ربّي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي فأوحى اللّه إليّ، يا محمد: انّ أصحابك عندي بمنزلة النجوم بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء ممّا هم عليه فهو عندي على هدى.
رواه ابن بطّة في الإبانة(4/11/2)، والخطيب أيضاً، نظام الملك في الأمالي(13/2)، والديلمي في مسنده (2/190)، والضياء في المنتقى من مسموعاته بمرو (116/2)، وكذا ابن عساكر (6/303/1) من طريق نعيم بن حمّاد، حدّثنا عبد الرحيم بن زيد العمّي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب مرفوعاً.
وهذا السند موضوع، نعيم بن حماد ضعيف، قال الحافظ: يخطئ كثيراً. وعبد الرحيم بن زيد العَمّي كذاب فهو آفته.(2)
هذا قليل من كثير ممّا ذكره الشيخ الألباني المعاصر في كتابه، و من أراد
1 . سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة:1/146.
2 . سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة:1/148.
(593)
التفصيل فليرجع إلى نفس الكتاب .
وقد أضاف في آخر تحقيقه، وقال: لو صحّ هذا الخبر يكون المراد إنّ ما قالوه برأيهم يجب العمل به، وهذا دليل آخر على أنّ الحديث موضوع، وليس من كلامه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، إذ كيف يسوغ لنا أن نتصوّر انّ النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يبرّر لنا أن نقتدي بكل رجل من الصحابة مع أنّ فيهم العالم والمتوسط في العلم،ومن هو دون ذلك وكان فيهم مثلاً من يرى أنّ البرد لا يفطر الصائم بأكله.(1)
3. خير القرون قرني
أخرج البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن عمران بن حصين يقول: قال رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : خير أُمّتي قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً، ثمّ إنّ بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن.(2)
وأخرجه مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين.(3)
وأخرجه أحمد في مسنده عن بريدة الأسلمي.(4)
إنّ هذا الحديث مهما صح سنده ونقله أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، يكذبه التاريخ الصحيح الذي سجّل أحوال أهل القرون التي أُطلق عليهم هذا الاسم، وذلك بالبيان التالي:
1 . سلسلة الأحاديث الضعيفة و الموضوعة:1/147ـ 148، وحديث البرد أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، لاحظ 2/340 وهوحديث غريب يضاد القرآن والسنة وإجماع المسلمين.
2 . صحيح البخاري:2/249، برقم 3650.
3 . صحيح مسلم:7/185ـ 186، باب فضل الصحابة ثمّ الذين يلونهم.
4 . مسند أحمد:5/357.
(594)
القرن في اللغة عبارة عن الفترة من الزمان وإطلاقه على مائة سنة، إطلاق حادث لا تحمل عليه الرواية. وعلى ضوء ذلك فالقرن الذي بعث فيه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خير القرون من الأزمنة باعتبار نفس النبي فقط، فكان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نوراً انبعث في الظلمة حيث تقوضت به دعائم الشرك والوثنية، وأُشيدت دعائم التوحيد والحنفية.
هـذا يرجـع إلى نفس النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وأمّا غيره فالظاهر من الرواية انّها تصنِّف الناس حسب التفضيل بالنحو التالي:
الصحابة (القرن الذي بعثتُ فيه).
التابعون(ثمّ الذين يلونهم).
تابعو التابعين (ثمّ الذين يلونهم) و هكذا.
فكلّ من قرب زمنه من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهو أفضل ممّن بعد منه.
هذا ما تفيده الرواية، وللأسف الشديد انّ الواقع الملموس يثبت خلاف ذلك لا سيّما من تصفّح التاريخ والحديث.
فهذا هو الإمام البخاري يروي في حقّ الصحابة ما مرّ من ارتدادهم، كما مرّ في ص 27.
ثمّ إنّ قوله: هم الذين يلونهم: يهدف إلى التابعين وفيهم الأمويون، فهل يمكن أن نعدَّ عصر الأمويين خير القرون وقد لوّنوا وجه الأرض بدماء الأبرياء، وقتلوا سبط النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في كربلاء عطشاناً وذبحوا أولاده وأصحابه، وهتكوا حرمة الكعبة.
وهذا هو الحجاج صنيعة أيديهم اقترف من الجرائم البشعة ما يندى لها جبين الإنسانية، ولا أُطيل الكلام في ذلك والتاريخ خير شاهد على كذب هذه الرواية ووضعها من قبل سماسرة الحديث لتطهير الجهاز الحاكم الأموي ممّا
(595)
ارتكبه.
ويكفي في ذلك ما علّقه أبو المعالي الجويني على هذا الحديث، قائلاً:
وما يدلّ على بطلانه أنّ القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة، شرّ قرون الدنيا وهو أحد القرون التي ذكرها في النصّ، و كان ذلك القرن هو القرن الذي قُتل فيه الحسين، وأُوقع بالمدينة، وحوصرت مكة، ونقضت الكعبة، وشربت خلفاؤه والقائمون مقامه المنتصبون في منصب النبوة، الخمورَ وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية ولزيد بن عاتكة وللوليد بن يزيد، وأُريقت الدماء الحرام، وقتل المسلمون وسبي الحريم، واستعبد أبناء المهاجرين والأنصار ونُقش على أيديهم كما ينقش على أيدي الروم، وذلك في خلافة عبد الملك، وإمرة الحجاج، وإذا تأمّلت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية، شراً كلها، لا خير فيها ولا في رؤسائها وأمرائها، والناس برؤسائهم وأُمرائهم أشبه، والقرن خمسون سنة فكيف يصحّ هذا الخبر؟(1)
1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:20/29 والرسالة مبسوطة جديرة بالمطالعة.