(548)
10
السنّة النبوية
و
عدالة الصحابة
درسنا عدالة الصحابة في ضوء القرآن الكريم وخرجنا بالنتيجة التالية :انّ حال الصحابة كحال التابعين، ففيهم عادل وفاسق، وصالح وطالح، منهم من يُستدرّ به الغمام ومنهم من دون ذلك.
ومن حسن الحظ انّ السنّة النبوية تدعم ذلك الموقف، فلنذكر منها نزراً قليلاً حسب ما يقتضيه وضع الرسالة.
1. زعيم الفئة الباغية
روى مسلم عن أبي سعيد قال: أخبرني من هو خير منّي ـ أبو قتادة ـ انّ رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال لعمّار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: بُؤسَ ابنُ سمية تقتلك فئة باغية.(1)
وروى البخاري عن أبي سعيد انّه قال: كنّا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فجعل النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار
1 . جامع الأُصول:9/42 برقم 6580.
(549)
يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار.
قال الحميدي في هذا الحديث زيادة مشهورة لم يذكرها البخاري أصلاً من طريق هذا الحديث، ولعلّها لم تقع إليه فيها، أو وقعت فحذفها لغرض قصده في ذلك، وأخرجها أبو بكر البرقاني، وأبو بكر الإسماعيلي قبله، وفي هذا الحديث عندهما انّ رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: ويح عمّار، تقلته الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار.(1)
وقد كشف الحميدي عن نوايا البخاري انّه ربما يتلاعب بالحديث فيحذف بعض أجزائه لغرض معيّن، وهو إنّما حذف هذه الجملة المشهورة، أعني: «تقتله الفئة الباغية»بقصد تبرئة معاوية، وتبرير أعماله.
ونحن نسأل القائلين بعدالة الصحابة من هي الفئة الباغية التي قتلت عماراً؟! وهل كان فيها من صحابة النبي من يؤيّد موقف الفئة الباغية؟! لا شكّ انّ معاوية كان يترأس الفئة الباغية وكان عمرو بن العاص وزيره في الحرب، وكان انتصار معاوية في حرب صفين رهن مكيدة عمرو بن العاص، وكان بين الفئة الباغية من الصحابة النعمان بن بشير الأنصاري، وعُقْبة بن عامر الجهني، وأبو الغادية يسار بن سبع الجهني وغيرهم.
2. عصيان أمر النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بإحضار القلم والدواة
قد روى أصحاب الصحاح انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمر بإحضار القلم والدواة ليكتب كتاباً لا يضلّوا بعده أبداً، وقد حال بعض الحاضرين بينه و بين ما يروم إليه، وقد أخرجه البخاري في غير مورد من صحيحه.
1 . جامع الأُصول:9/44 برقم 6583.
(550)
ففي كتاب العلم أخرج عن ابن عباس انّه قال: لما اشتدّ بالنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجعه، قال: «ائتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده»، قال عمر: إنّ النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ غلبه الوجع، وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قـال: «قـوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و بين كتابه.(1)
وأخرج أيضاً عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنّه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثمّ بكى حتّى خَضَبَ دمعُه الحصباءَ، فقال: اشتدّ برسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجعه يوم الخميس، فقال: «ائتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعـده أبداً». فتنازعوا، ولا ينبغي عنـد نبي تـنازع، فقـالوا: هجر رسـول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟ قـال: «دعـوني فـالـذي أنا فيه خيـر ممّا تدعوني إليه».(2)
وهنا نكتة لابدّ من إلفات القارئ إليها وهي: انّ فعل النبي(طلب الكتاب)، نسب في الصورة الأُولى إلى غلبة الوجع وعند ذاك سمّي القائل به وهو عمر، وفي الصورة الثانية نسب إلى الهجر والهذيان، ولم يذكر اسم القائل، وجاء مكان «عمر» لفظة: «قالوا».
ولما كانت الصورة الأُولى أخف وطأة من الثانية، جاء فيها ذكر القائل دون الثانية.
والقائل في الجميع واحد.
ويذكره أيضاً بشكل آخر في موضع ثالث، يقول:
اشتدّ برسول اللّه وجعه فقال: «ائتوني بكتف اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده
1 . صحيح البخاري:1/38، برقم 114.
2 . صحيح البخاري:2/287، برقم 3053.
(551)
أبداً» فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ماله أهجر؟ استفهموه، فقال: «ذروني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه».(1)
وفي صورة رابعة قال بعضهم: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : قوموا.(2)
أُنشدك باللّه انّ من يخالف أمر النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي تدلّ القرائن على كونه إلزامياً، ثمّ يصف أمره بأنّه نتيجة غلبة الوجع أو الهجر والهذيان هل يوصف هذا بأنّه صاحب ملكة رادعة عن اقتراف المحرمات؟!
وما أبعد ما بين وصف هؤلاء وبين وصفه سبحانه لنبيّه الكريم بقوله: «وَالنَّجـم إِذا هَـوى * ما ضَلَّ صـاحِبكُمْ وَماغَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحيٌ يُوحى».
كيف يقول ذلك الصحابي حسبنا كتاب اللّه؟! فلو كان هذا صحيحاً فلماذا ألف المسلمون الصحاح والسنن والمسانيد؟!
3. الانقلاب على الأعقاب بعد رحيل النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ
1. أخرج البخاري وعن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: أنا فَرَطُكُم على الحوض من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثمّ يحال بيني و بينهم.
1 . صحيح البخاري:2/321، برقم3168
2 . صحيح البخاري:3/132 برقم 4432، ولاحظ أيضاً:4/10 برقم 5669 ورقم 7366.
(552)
قال أبو حازم: فَسَمِعَني النعمان بن أبي عيّاش وأنا أُحدِّثهم هذا، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعتُه يزيد فيه قال: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سُحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي.(1)
2. أخرج البخاري عن المغيرة، قال سمعت أبا وائل، عن عبد اللّه رضي اللّه عنه، عن النبيّـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: أنا فَرََطُكم على الحوض، وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليُختلجُنَّ دوني، فأقول: يا ربّ أصحابي، فقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.(2)
3. أخرج البخاري عن أنس، عن النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: ليردَنَّ عليّ ناس من أصحابي الحوض حتّى إذا عرفتهم، اختُلِجُوا دوني فأقول: أصحابي؟! فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك.(3)
4. أخرج البخاري عن سهل بن سعد قال، قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّي فَرَطُكم على الحوض من مرّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يحال بيني و بينهم.(4)
5. أخرج البخاري عن أبي هريرة انّه كان يحدث انّ رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلّؤن عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، انّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقهرى.(5)
6. أخرج البخاري عن أبي المسيب انّه كان يحدِّث عن أصحاب النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ
1 . صحيح البخاري:4/355، برقم 7050 و7051.
2 . صحيح البخاري:4/227، برقم6576.
3 . صحيح البخاري:4/ 228، برقم 6582، 6583، 6585.
4 . صحيح البخاري:4/ 228، برقم 6582، 6583، 6585.
5 . صحيح البخاري:4/ 228، برقم 6582، 6583، 6585.
(553)
انّ النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلّؤن عنه، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.(1)
7. أخرج البخاري عن ابن عباس في حديث:... ثمّ يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم: «وَكُنْتَ عَلَيْهِمْ شَهيداً مادُمْتُ فيهِمْ فَلَمّا توفَّيْتَني كُنْتَ أَنْتَ الرَّقيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيء شَهيد ـ إلى قوله: ـ العزيز الحكيم»(2).(3)
8. أخرج البخاري عن العلاء بن المسيب قال: لقيت البراء بن عازب فقلت: طوبى لك صحبت النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبـايعته تحت الشجرة، فقال: يابن أخي انّك لا تدري ما أحدثنا بعده.(4)
9. أخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكرة انّ رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: ليردنّ على الحوض رجال ممّن صحبني ورآنى حتّى إذا رفعوا إليّ اختلجوا دوني فلأقولنّ: ربّي أصحابي! فليُقالَنّ إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.(5)
10. أخرج مسلم عن أسماء بنت أبي بكر، قال رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّي على الحوض حتّى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ أُناس دوني، فأقول: يا ربّ منّي ومن أُمّتي، فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك، واللّه ما برحوا بعدك يرجعون
1 . صحيح البخاري:4/227ـ 228، برقم 6586.
2 . المائدة:117ـ 118.
3 . صحيح البخاري:2/402، كتاب أحاديث الأنبياء، برقم 3447.
4 . صحيح البخاري:3/64، كتاب المغازي برقم 4170.
5 . مصنّف ابن أبي شيبة: كتاب الفضائل برقم 35; مسند أحمد:5/48.
(554)
أعقابهم.
قال: فكان ابن أبي مليكة يقول: اللّهم إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا وأن نفتن عن ديننا.(1)
وتنتهي أسانيد هذه الروايات إلى شخصيات نظراء، سهل بن سعد، أبي وائل عن عبد اللّه، أنس بن مالك، أبي هريرة، ابن المسيب، واقتصرنا بما رواه البخاري وتركنا مانقله غيره، وما ظنّك بحديث يرويه الإمام البخاري وقد نقل شيئاً منه في الفتن، وقسماً أكثر في باب الحوض.
ولابدّ من الكلام في مقامين:
الأوّل: من هم الذين أخبر النبي عن ارتدادهم بعد رحيله؟
الثاني: ما هو المراد من ارتدادهم؟
أمّا الأوّل: فالقرائن القطعية تدلّ على انّ المراد، بعض أصحابه الذين عاشوا معه وكان يعرفهم وهم يعرفونه واجتمعوا معه في فترة زمنية، وليس هؤلاء إلاّ لفيف من أصحابه، والدليل على ذلك ما جاء في متونها من الكلمات التالية:
1. ليردنّ علي أقوام أعرفهم ويعرفونني كما في رقم 1، 4.
2. حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني(رقم3).
3. أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم(رقم2).
4. فأقول: يا ربّ أصحابي (رقم 3، 5، 6).
إذا كان من علائم هؤلاء:
1. انّ الرسول يعرفهم وهم يعرفونه، وانّهم من رجال عصر الرسول(رجال
1 . شرح صحيح مسلم للنووي:15/61 برقم 2293.
(555)
منكم) لا من الأجيال المستقبلة، فهؤلاء أصحابه الذين عاشوا معه في عصر الرسالة، حتّى استحقوا بأن يصفهم النبي عند الاستغاثة بقوله: «يا رب أصحابي».
فلا أظن من يدرس هذه الروايات الواردة الصحيحين وغيرهما بتجرّد وموضوعية أن يدور في خلده، انّ المراد من الذين ارتدوا على أدبارهم، أُمّته الذين أتوا بعده وعاشوا في أحقاب بعيدة عن عصر الرسول، ولم يكن فيها من وجود الرسول عين ولا أثر، إذ لو كان هذا هو المراد، فمتى عاش معهم النبي، حتّى عرفهم وعرفوه؟ ومتى كانوا معه حتّى صحّ وصفهم بقوله: «رجال منكم» ومتى صحبوه (فترة قصيرة أو طويلة) وصاروا أصحابه؟
ومن التجنّي على الحقيقة القول: «بأنّ جميع الأُمّة أصحاب النبي، كما أنّ جميع من يقلّدون الشافعي مثلاً أصحابه» فانّ هذا التفسير في المقيس عليه ممنوع فكيف المقيس؟ فأصحاب الشافعي هم الذي تربّوا على يديه والتفُّوا حوله وانتفعوا بعلمه، وأمّا الذين جاءوا بعده ولم يشاهدوه فهم أتباعه، لا أصحابه، فلو صح إطلاق الأصحاب عليهم، فإنّما هو إطلاق مجازي لا حقيقي .
وأمّا المقيس فالحال فيه واضحة.
فالصحابة، في الروايات والآثار، هم الذين أقاموا مع رسول اللّه فترة من الزمن، أو رأوا رسول اللّه و أدركوه وأسلموا، إلى غير ذلك من التعاريف التي ذكرها الجَزري في «أُسد الغابة».(1)
وليس هذا المورد إلاّ كسائر الموارد التي وردت فيها كلمة الصحابة، مثلاً رووا عن النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «لا تسبُّوا أصحابي» كما رووا عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: مثل
1 . أُسد الغابة:1/11ـ12.
(556)
أصحابي كالنجوم، إلى غير ذلك من الموارد، فالمراد من الجميع هو المعنى المصطلح.
وقد ألّف غير واحد من الرجاليين كتباً في حياة الصحابة، كالاستيعاب لابن عبد البرّ، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، و إلى غير ذلك من الموارد التي أُطلقت فيها كلمة الصحابة وأُريد بها، من كانوا وعاشوا معه.
إنّ المتبادر من قولهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، أو «إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك» أو «إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى»،هو انّهم كانوا معك ولكن اقترفوا هذه الجريمة بعد رحيل الرسول، دون فاصل زماني طويل، وقد كان المترقب من هؤلاء الذين رأوا شمس الرسالة واستضاءوا بها، أن يتّبعوا دينه وشريعته و لا يعدلوا عنه قيد شعرة، ولكنّهم ـ للأسف ـ ارتدوا على أدبارهم القهقرى.
هذا كلّه حول الأمر الأوّل، أعني: رفع الستر عن هؤلاء الذين ارتدوا وبدلوا.
وأمّا الأمر الثاني، فهل المراد من الارتداد هو الخروج عن الدين، أوالمراد من الارتداد هو الأعم من الرجوع عن العقيدة، أو السلوك على غير ما أوصى به النبي في غير واحد من الأُمور؟، ولعل المراد هو الثاني حيث إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أوصى بالثقلين وأهل بيته، فخالفوا وصية الرسول، كما أنّهم خالفوا في كثير من الأحكام، المذكورة في محلّها، فقدّموا الاجتهاد على النصّ، والمصلحة المزعومة على أمره، وبذلك أحدثوا في دينه بدعاً، ليس لها في الكتاب والسنّة أصل.
موقف النبي ممّن لم تحسن صحبته
ما مرّ من الروايات لا تهدف شخصاً معيّناً بالذكر، وهناك روايات تخص
(557)
بعض الصحابة بالذكر من الذين لم تحسن صحبتهم ويخبر عن سوء مصيرهم ويندد بسوء عملهم، وهي كثيرة، ونذكر منها النزر اليسير:
1. كلّهم مغفور له إلاّ
أخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من يصعد، الثنيّة، ثنيّة المُرار فانّه يحطّ عنه، ما حطّ عن بني إسرائيل قال: فكان أوّل من صعدها، خيَلنا خيلَ بني الخزرج ثمّ تتامّ الناس، فقال رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «وكلّهم مغفور له إلاّ صاحب الجمل الأحمر» فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقال: واللّه لأن أجد ضالّتي أحبّ إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم، وكان رجل ينشد ضالّة له.(1)
إنّ مسلماً وان ذكره في كتاب صفات المنافقين، لكنّه لا دليل على أنّه كان منهم، بل كان من ضعفاء الإيمان، أو مرضى القلوب، أو السمّاعين، إلى غير ذلك من الأصناف المتوفرة في صحابة النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقد ذكر الشراح انّه كان الجدّ بن قيس الأنصاري.
وروى مسلم بعد هذا الحديث عن أنس بن مالك قال: كان منّا رجل من بني النجّار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتُب لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فانطلق هارباً حتّى لحق بأهل الكتاب قال فرفعوه، قالوا: هذا كان يكتب لمحمد، فأُعجبوا به....
2. اللّهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد
أخرج البخاري عن سالم، عن أبيه قال: بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني
1 . صحيح مسلم:8/223، صفات المنافقين وأحكامهم.
(558)
جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يُحسِنُوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبانا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كلّ رجل منّا أسيره، حتّى إذا كان يوم، أمر خالد أن يقتل كلّ رجل منّا أسيره، فقلت : واللّه لا أقتل أسيري، ولا يَقْتُل رجل من أصحابي أسيره حتّى قدمنا على النبي فذكرناه، فرفع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يده فقال: «اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد» مرّتين.(1)
هذا هو سيف الإسلام، وبطله يقتل الأبرياء واحداً بعد الآخر، ويتبرأ النبي الأعظم من جريمته ولكنّه يُصبح بعد رحيل الرسولـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رجلاً بارّاً و سيفاً مسلولاً سلّه رسول اللّه ولا يُغمد، وإن زنى بزوجة مالك بن نويرة وقتله، فما حال غيره!
3. تنبّؤه بمصير ذي الخويصرة
أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه بينما نحن عند رسول اللّه وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجلٌ من بني تميم، فقال: يا رسول اللّه اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خِبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدِلُ». فقال عمر: يا رسول اللّه، ائذَن لي فيه فأضرِبَ عُنقَهُ؟ فقال: «دَعْهُ، فإنّ له أصحاباً يحقِّرُ أحدكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يُجاوز تراقيهم، يمرقون من الدِّين كما يمرقُ السَّهم من الرّميَّة».
4. انّ فيك شعبة من الكفر
قد سبّ أبو هريرة رجلاً بأُمّ له في الجاهلية فاستعدى رسول اللّه على أبي
1 . صحيح البخاري، كتاب المغازي ، باب بعث النبي خالد بن الوليد، الحديث 4339.
(559)
هريرة، فقال له رسول اللّه:«إنّ فيك شعبة من الكفر» فحلف أبو هريرة أن لا بسب بعده مسلماً.(1)
5. امتناع الرسول من الصلاة على أحد أصحابه
أخرج الحاكم في مستدركه عن زيد بن خالد الجهني ـ رضي اللّه عنه ـ انّ رجلاً من أصحاب رسول اللّه توفّي يوم حنين أو خيبر، فامتنع ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الصلاة عليه، لأنّه غلّ في سبيل اللّه ففتّشوا متاعه فوجدوا خِرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين.(2)
6. تنبّؤ النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالمصير الأسود لبعض أصحابه
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال شهدنا خيبر ، فقال رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لرجل ممّن معه يدّعي الإسلام: «هذا من أهل النّار». فلمّا حضر القتال قاتل الرجل أشدّ القتال حتّى كثُرت به الجِراحَة، فكادَ بعض الناس يرتاب، فوجد الرّجل ألمَ الجِراحَة، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهماً فنَحَر بها نفسه، فاشتدّ رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول اللّه، صدّق اللّه حديثك، انتحَر فلانٌ فقتل نفسه، فقال: «قم يا فلانُ، فأذِّن أنّه لا يدخلُ الجَنّة إلاّ مؤمنٌ، إنّ اللّه يُؤيِّد الدّين بالرَّجلِ الفاجر» .(3)
7. صحابي يخلو بامرأة
روى ابن كثير في تفسير قوله سبحانه:«إِنّ الحَسنات يُذْهِبن السَّيئات»
1 . مجمع الزوائد:8/86، كتاب الأدب، باب في من يُعيّر بالنسب أو غيره.
2 . مستدرك الحاكم:2/127، كتاب الجهاد; مسند أحمد:4/114.
3 . صحيح البخاري:3/73، برقم 4203.
(560)
قال: روى الإمام أبو جعفر بسنده عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري قال:أتتني امرأة تبتاع منّي بدرهم تمراً، فقلت: إنّ في البيت تمراً أجود من هذا، فدخلت فأهويت إليها فقبّلتها، فأتيت عمر فسألته فقال: اتّق اللّه واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً، فلم أصبر حتّى أتيت أبا بكر فسألته فقال: اتّق اللّه واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً، قال: فلم أصبر حتّى أتيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخبرته فقال: «أخلفت رجلاً غازياً في سبيل اللّه في أهله بمثل هذا؟» حتّى ظننت انّي من أهل النار حتّى تمنيتُ انّي أسلمت ساعتئذ، فأطرق رسول اللّه ساعة فنزل جبريل، فقال أبو اليسر: فجئت فقرأ عليّ رسول اللّه:«وَأَقِمِ الصَّلاة طَرَفي النَّهار وزُلَفاً من اللَّيل إِنّ الحَسنات يُذْهِبنَ السَّيئات ذلكَ ذِكْرى لِلذّاكرين» فقال إنسان: يا رسول اللّه له خاصة أم للناس عامة؟ قال: «للناس عامة».(1)
8. صحابي يجلس بين رجلي امرأة
أخرج عبد الرزاق عن يحيى بن جعدة انّ رجلاً من أصحاب النبيّـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذكر امرأة وهو جالس مع رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فاستأذنه لحاجة، فأذن له، فذهب يطلبها فلم يجدها، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالمطر، فوجد المرأة جالسة على غدير فدفع في صدرها وجلس بين رجليها فصار ذكره مثل الهدبة، فقام نادماً حتّى أتى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخبره بما صنع فقال له «استغفر ربّك وصلّ أربع ركعات» قال: وتلا عليه: «وَأَقِم الصَّلاة طَرفي النّهار وزُلفاً مِنَ اللَّيل» الآية.(2)
1 . تفسير ابن كثير:2/463 والآية 113 من سورة هود.
2 . تفسير ابن كثير:2/463.
(561)
9. صحابي يُقتَّص منه
وهذا حارث بن سويد بن الصامت شهد بدراً لكنّه قتل المِجذَر بن زياد يوم أُحد لثأر جاهلي فقُتِل بأمر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . يقول ابن الأثير:«لا خلاف بين أهل الأثر انّ هذا قتله النبي بالمجذر بن زياد، لأنّه قتل المجذر يوم أُحد غيلة.(1)
10. دعاء النبي على مُحلم بن جثامة
خرج هو ومعه نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة حتّى إذا كانوا ببطن «اضم» مرّ بهم عامر بن الاضبط الأشجعي على بعير له، وسلم عليهم بتحية الإسلام، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتاعه، فلمّا قدموا على رسول اللّه وأخبروه الخبر، فنزل فيهم قوله سبحانه: «يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ في سَبيلِ اللّه فَتَبَيّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَن ألقى إِليكُمُ السلام لَسْت مُؤْمناً» الآية.(2)
وفي تفسير ابن كثير قال له رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لا غفر اللّه لك.(3)
هذه نماذج من أصحاب النبي الذين اقترفوا المعاصي في حياة النبي وتنبّأ النبي بسوء مصيرهم، أو ندد بعملهم، وإلاّ فالمجروحون من أصحابه كثير. وكفى في نقض الموجبة الكلية (الصحابة كلّهم عدول) القضية الجزئية.
1 . أُسد الغابة:1/332.
2 . أُسد الغابة:4/309; النساء:94.
3 . تفسير ابن كثير:1/539.
(562)
11
عدالة الصحابة
و
التاريخ الصحيح
لقد أوقفك الامعان في آيات الذكر الحكيم والسنّة النبوية على أنّ الصحابة لم يكونوا على وتيرة واحدة، فكان فيهم الصالح والطالح، والعادل والفاسق، ومن حسنتْ صحبتُه، ومن ساءتْ، وبذلك انثلمتِ القاعدةُ العامّة المدّعاة في حقّ الصحابة وهي: «انّ الصحابة كلّهم عدول»، وقد بُرْهن في المنطق على أنّ نقيض الموجبة الكلية هو السالبة الجزئية، وما ذكرناه من النماذج ليس إلاّ سوالب جزئية بالنسبة إلى الضابطة الكلية.
فهلمّ معي نسلّط الأضـواء على ملامح من حيـاة الصحابة بعد رحيل الرسولـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهي مشـرقـة من جانب، إذ حملوا لواء الإسلام بأيديهم، ونشروه في ربوع الأرض وقاتلـوا وقتلوا، وهذا ممّا لا يُنكر، ومُظلمة من جانب آخر فانّ بعض من صحب النبي وعاشره اقترف جرائم لا تُغتفر، سوّد بها صحيفة حياته حتّى عدّ عاراًً على الصحابة أنفسِهم.
(563)
وها نحن نذكر في المقام نبذة موجزة عن بعض الصحابة الذين عدلوا عن الطريق المهيع لتكون نموذجاً لما لم نذكر، فانّ استقصاء ذلك الجانب من حياة الصحابة رهن كتاب مفرد.
1. صحابيّ يقتل صحابيّاً ويزني بزوجته
إنّ مالك بن نويرة بن حمزة اليربوعي يعرّفه الطبري بقوله: بعث النبيّـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مالك بن نويرة على صدقة بني يربوع وكان قد أسلم هو وأخوه متمم بن نويرة الشاعر.(1) ولما ارتحل النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شاع الارتداد في القبائل، وبعث أبو بكر خالد بن الوليد ليطفئ هذه الفتنة، ولكنّ خالداً، تجاوز الحدّ فقتل الصحابي: مالك بن نويرة، ولم يقتصر على قتله فحسب، بل زنى بزوجته أيضاً.
فلمّا قدم خالد المدينة بالسبي ومعه سبعة عشر من وفد بني حنيفة، دخل المسجد وعليه قباء عليه صدأ الحديد، متقلداً السيف، وفي عمامته أسهُم، فمرّ بعمر فلم يكلّمه ودخل على أبي بكر، فرأى منه كلّ ما يُحب، وإنّما وجد عليه عمر لقتله مالك بن نويرة وتزوّجه بامرأته.(2)
وكانت شناعة الأمر بمكان، بحيث انّ عمر بن الخطاب لمّا ولي الأمر عزله و كتب إلى أبي عبيدة: انّي قداستعملتك وعزلت خالداً.(3)
1 . الاستيعاب:3برقم2303.
2 . مختصر تاريخ دمشق:8/19; سير إعلام النبلاء:3/235 في ترجمة خالد برقم 83 ولاحظ تاريخ الطبري:2/272 و أُسد الغابة:2/95 و الإصابة:5/755 في ترجمة مالك بن نويرة.
3 . سير اعلام النبلاء:3/236.
(564)
2. سمرة بن جندب يبيع الخمر
تولّى سمرة بن جندب (أحد الصحابة)إمارة البصرة في عهد معاوية، وقد سفك من الدماء الكثير، ومن شنائع ما اقترفه، بيعه الخمر في عهد عمر.
أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: بلغ عمر انّ سمرة باع خمراً، فقال: قاتل اللّه سمرة، ألم يعلم أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها.(1)
ولم تقتصر القبائح التي ارتكبها سمرة بن جندب على ذلك، بل تعداه إلى سفك الدماء والإسراف في قتل النفوس البريئة.
روى الطبري في حوادث سنة 50، قال: عن محمد بن سليم، قال: سألتُ أنس بن سيرين هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتله سمرة بن جندب، استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له : هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت.
وروى أيضاً عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة بن جندب من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.(2)
3. قدامة بن مظعون بدري يشرب الخمر
قدامة بن مظعون بن حبيب القريشي، وهو خال عبد اللّه وحفصة ابني عمر بن الخطاب، وقد استعمله عمر بن الخطاب على البحرين، فقدم الجارود سيد عبد
1 . صحيح مسلم:5/41 باب تحريم الخمر والميتة.
2 . تاريخ الطبري:3/176.
(565)
القيس على عمر بن الخطاب من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين انّ قدامة شرب المسكر، فقال عمر: من يشهد معك، فقال: أبو هريرة، فدعي أبو هريرة، فقال: بم تشهد، فقال: لم أره يشرب، ولكنّي رأيته سكران يقي. فقال عمر: لقد تنطعت في الشهادة، ثمّ كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب اللّه الخ.(1)
قال عبد الرزاق في «المصنّف»: سمعت أيوب بن أبي يقول: لم يحدّ في الخمر أحد من أهل بدر إلاّ قدامة بن مظعون.(2)
4. أبو جندل يُحدّ حدّ الخمر
أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشي العامري، وكان أبوه سهيل كاتب قريش في صلح الحديبية، وهو ممّن فرّ من مشركي مكة والتحق بالمسلمين في صلح الحديبية.
ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرت انّ أبا عبيدة بالشام وجد أبا جندل بن سهيل بن عمرو، و ضرار بن الخطاب وأبا الأزور، وهم من أصحاب النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد شربوا الخمر.
فقال أبو جندل: «ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طمعوا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات»، فكتب أبو عبيدة إلى عمر: انّ أبا جندل خصمني بهذه الآية. فكتب عمر: انّ الذي زيّن لأبي جندل الخطيئة زيّن له الخصومة، فاحددهم، فقال أبو الأزور: اتحدّوننا؟ قال أبو عبيدة: نعم، قال:
1 . الاستيعاب:3/1276، باب قدامة.
2 . مصنف بن عبد الرزاق:9/240 برقم 17075.
(566)
فدعونا نلقى العدو غداً فإن قُتلنا فذاك، وإن رجعنا إليكم فحدُّونا، فلقى أبوجندل وضرار وأبو الأزور العدوَّ فاستشهد أبو الأزور وحّد الآخران. فقال أبو جندل: هلكتُ. فكتب بذلك أبو عبيدة إلى عمر، فكتب عمر إلى أبي جندل وترك أبا عبيدة: انّ الذي زين لك الخطيئة حظر عليك التوبة.(1)
5. أبو محجن الثقفي يُحد ثمانِ مرات
أبو محجن مالك بن حبيب الثقفي، سمع من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وروى عنه، وحدث عنه أبو سعد البقال، قال: سمعت رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: أخوف ما أخاف عليكم على أُمّتي من بعدي ثلاث: إيمان بالنجوم، وتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة.
ففي الاستيعاب: كان شاعراً مطبوعاً كريماً إلاّ أنّه منهمكاً في الشراب لا يكاد يُقلع عنه، ولايردعه حدّ ولا لوم لائم، وجلده عمر بن الخطاب في الخمر مراراً ونفاه إلى جزيرة في البحر، وبعث معه رجلاً فهرب منه ولحق بسعد بن أبي وقاص بالقادسية وهو محارب للفرس، وكان قد همّ بقتل الرجل الذي بعثه معه عمر، فأحس الرجل بذلك، فخرج فارّاً فلحق بعمر فأخبره خبره، فكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص بحبس ابن محجن، فحبسه.
وروى عن ابن جريج قال: بلغني انّ عمر بن الخطاب حدّ أبا محجن الثقفي في الخمر سبع مرات، وقال قبيصة بن ذويب: ضرب عمر بن الخطاب أبا محجن الثقفي في الخمر ثماني مرات، ومن رواية أهل الاخبار انّ ابناً لأبي محجن الثقفي دخل على معاوية، فقال له معاوية: أبوك الذي يقول:
1 . الاستيعاب:4/1623.
(567)
إذا متُّ فا دفنّي إلى جنب كرمة تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فاننّي أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها(1)
وقد عقد الحافظ الكبير عبد الرزاق باباً أسماه «باب من حدّ من أصحاب النبي وذكره فيه».
6. مسلم بن عقبة يشن الغارة على أهل المدينة
مسلم بن عقبة الأشجعي من صحابة النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذكره ابن حجر في «الإصابة» برقم 7977، وكفى في حقّه ما ذكره الطبري في حوادث سنة 64هـ، قال: ولمّا فرغ مسلم بن عقبة من قتال أهل المدينة وإنهاب جنده أموالهم ثلاثاً، شخص بمن معه من الجند متوجهاً إلى مكة، فلما وصل إلى قفا المشلل نزل به الموت،وذلك في آخر محرم من سنة 64هـ.(2)
7. بسر بن أرطأة يذبح ولدي عبيد اللّه بن العباس
بسر بن أرطأة من أصحاب الرسولـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شهد فتح مصر واحتفظ بها، وكان من شيعة معاوية، وكان معاوية وجّهه إلى اليمن والحجاز في أوّل سنة أربعين وأمره أن ينظر من كان في طاعة عليّـ عليه السَّلام ـ فيوقع بهم، ففعل ذلك.
وقد ارتكب جرائم كثيرة ذكرها التاريخ، ولمّا كانت تمس عدالة الصحابة
1 . الاستيعاب:4/1749. ولاحظ مصنف عبد الرزاق:9/243 برقم 17077.
2 . تاريخ الطبري:4/381، حوادث سنة 64.
(568)
وكرامتهم أعرض ابن حجر عن استعراضها مكتفياً بالقول: وله أخبار شهيرة في الفتن لا ينبغي التشاغل بها!!
ومن جرائمه التي لا تستقال ولا تغتفر ذبحه ولدي عبيد اللّه بن العباس.
قال الطبري: أرسل معاوية بن أبي سفيان بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبي أرطأة، فساروا من الشام حتّى قدموا المدينة وعامل عليـ عليه السَّلام ـ على المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري، ففر منهم أبو أيوب. ثمّ صعد بسر على المنبر ونادى: يا أهل المدينة واللّه لولا ما عهد إليّ معاوية ما تركت بها محتلماً إلاّ قتلته ـ إلى أن قال ـ: ثمّ مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيد اللّه بن العباس، فلمّا بلغه مسيره فرّ إلى الكوفة واستخلف عبد اللّه بن عبد المدان الحارثي على اليمن، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثَقَل عبيد اللّه بن عباس وفيه ابنان له، فذبحهما.(1)
8. أُمّ المؤمنين وتزعّمها لجيش جرار
أمر اللّه تبارك وتعالى أُمّهات المؤمنين بملازمة بيوتهن بقوله: «وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِليةِ الأُولى وَأَقمن الصَّلاةَ وآتينَ الزَّكاةَ وأطعنَ اللّهَ وَرَسُولَه».(2)
وقد خالفت أُمّ المؤمنين عائشة أمر الكتاب العزيز حينما خرجت مع طلحة والزبير في جيش جرّار لمحاربة الإمام أمير المؤمنين عليـ عليه السَّلام ـ الذي بايعه جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار.
وكان لها موقف عدائي واضح من الإمام أمير المؤمنينـ عليه السَّلام ـ ، ولمّا بلغها قتل
1 . تاريخ الطبري:4/107; و سير اعلام النبلاء:3/409 برقم 65.
2 . الأحزاب:33.
(569)
الإمامـ عليه السَّلام ـ أنشدت قائلة:
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى كما قرّ عيناً بالإياب المسافر(1)
فهذه الصحابية مع مالها من منزلة رفيعة بين المسلمين قادت جيشاً كبيراً لمحاربة الإمامـ عليه السَّلام ـ ، ودارت بينهما معركة شرسة، قُتل فيها من المسلمين ما يربو على عشرة آلاف حسب ما ذكره الطبري.(2)
وربما يقال: انّ القتلى يفوق هذا العدد.
هذه نماذج ممّا يطالعه القارئ في مرآة التاريخ، ولو حاولنا الاستقصاء لفاق هذا العدد بكثير.
ومن سبر التاريخ بروح موضوعية وتجرد، يجد انّ فئة من الصحابة سوّدت وجه التاريخ بنحو يثير أسف الخلف على هذا السلف.
ادّعاء العدالة لعامة الصحابة تنكّر للطبيعة البشرية
إنّ الصحابة الكرام لهم غرائز جامحة كسائر الناس، فمن الغريب استثناء هذا الجيل عن سائر الأجيال، وإضفاء هالة من القداسة عليهم بلا استثناء. ولم يكن للصحبة، البعد الإعجازي حتّى يقلب فطرتهم رأساً على عقب، ويحوّلهم إلى أشخاص مثاليّين، بل هم بشر ـ كسائر البشر ـ لهم ميول وغرائز، قد ينفلت زمامها، فتُلقي بهم في وديان الهوى والظلم والعصيان.
وما ذكرناه هو الذي يدعمه الذكر الحكيم والسنّة النبوية وتاريخ
1 . تاريخ الطبري:4/115.
2 . تاريخ الطبري:3/540.
(570)
الصحابة، فمن حاول الإصرار على موقفه من عدالة الصحابة كلّهم، فقد خالف صريح القرآن الكريم والسنّة الشريفة وما أطبق عليه التاريخ الصحيح.
وعلى الرغم من ذلك فإنّ القائلين بعدالة الصحابة استدلّوا بوجوه:
الأوّل: الإجماع.
الثاني: ثناء الكتاب على الصحابة.
الثالث: ثناء السنّة عليهم.
وسنعقد بحثاً في الفصول الآتية نتناول فيه هذه الوجوه نقداً وتمحيصاً.
(571)
12
أدلّة القائلين بعدالة الصحابة
1
الإجماع على عدالة الصحابة
استدلّ القائلون بعدالة الصحابة وهم جمهور السنّة بوجوه:
الأوّل: الإجماع على عدالتهم وقد مرّ آنفاً كلمة إمام الحنابلة وغيره، يقول ابن حزم:
انّا نقطع على غيب قلوبهم انّهم كلّهم مؤمنون صالحون ماتوا كلّهم على الإيمان والهدى والبر، كلّهم من أهل الجنّة لا يلج أحد منهم النار.(1)
يلاحظ عليه: بأنّه كيف يدّعي الإجماع على خلاف ما نطق به الكتاب العزيز والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح، أو ليس هذا الإجماع، إجماعاً على خلاف الحجج القطعية؟! ثمّ كيف يدّعي الإجماع مع أنّ في عدالة الصحابة أقوالاً مختلفة نذكر منها ما يلي:
يقول الخطيب في كتابه: «السنّة قبل التدوين».
إنّ للصحبة شرفاً عظيماً يمنح صاحبها ميزة خاصة، وهي انّ جميع الصحابة
1 . ابن حزم حياته وعصره لأبي زهرة: 259.
(572)
عند من يعتدّ به من أهل السنّة عدول، سواء من لابس منهم الفتن ومن لم يلابس، وهو قول الجمهور.
وقال قوم: إنّ حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية.
ومنهم من قال: إنّهم لم يزالوا عدولاً إلى أن وقع الاختلاف والفتن بينهم، فبعد ذلك لا بدّ من البحث في عدالتهم.
ومنهم من قال ـ و هم المعتزلة ـ : إنّ كلّ من قاتل عليّاً عالماً فهو فاسق مردود الرواية والشهادة، لخروجهم على الإمام الحقّ.
ومنهم من قال برد رواية الكلّ وشهادتهم، لأنّ أحد الفريقين فاسق وهو غير معلوم ولا معيّن.
ومنهم من قال: بقبول رواية كلّ واحد منهم وشهادته إذا انفرد، لأنّ الأصل فيه العدالة، وقد شككنا في فسقه، ولا يقبل ذلك منه مع مخالفه، لتحقّق فسق أحدهما من غير تعيين. (1)
وقد مرّ انّ عمر بن عبد العزيز، وأحمد بن حنبل وغيرهما قالوا بلزوم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة في الخلاف، وما روي عنهم من اقتراف المعاصي، ومعنى ذلك انّهم وقفوا على واقع الأمر وأرادوا التغطية على الواقع الملموس، حفظاً لعقائد المسلمين!!
كلام التفتازاني في حقّ الصحابة
وهناك كلام للشيخ التفتازاني في شرح مقاصده مع أنّه استولت عليه
1 . السنّة قبل التدوين: 258.
(573)
العصبية بدعوته إلى ترك الكلام في حقّ البغاة والجائرين من الصحابة، ولكنّه أصحر بالحقيقة، قائلاً:
ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحقّ، وبلغ حدّ الظلم والفسق وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد، وطلب الملك والرئاسة، والميل إلى اللذات والشهوات، إذ ليس كلّ صحابي معصوماً ولا كلّ من لقي النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالخير موسوماً إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا يوجب التضليل والتفسيق، صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة لا سيما المهاجرين منهم، والأنصار، والمبشرين بالثواب في دار القرار.
وأمّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء، إذ تكاد تشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له من في الأرض والسماء، و تنهد منه الجبال و تنشق الصخور، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور، ومرّ الدهور فلعنة اللّه على من باشر أو رضي أو سعى ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى.(1)
1 . شرح المقاصد:5/310ـ 311; وراجع كتاب الأربعين لمحمد طاهر القمي الشيرازي:633، بحار الأنوار:28/364.