الخميس 27 ربيع الاوّل 1431 - Thu 11 March 2010   عربي | فارسي
البحث في المكتبة البحث في المقالات




(513)

7
مظاهر الغلو في الصحابة

الغلو هو تجاوز الحدّ، ومنه غلا السعر: إذا تجاوز حدّه، قال سبحانه:«يا أَهْل الكِتاب لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلى اللّه إِلاّ الحَق إِنّما المَسيحُ عيسَى بن مَرْيَم رَسُول اللّه وَكَلمته أَلقاهَا إِلى مَرْيَم وَرُوحٌ مِنْهُ».(1)

فالغلو في الدين في الآية ، كناية عن الغلو في رسوله، أعني: المسيح عيسى بن مريم.

فذكر سبحانه أوّلاً واقعَ المسيح وانّه كان بشراً رسولاً، لا يختلف عمّن تقدّم من الرسل، وهو كلمة اللّه التي حملتها مريم وولدتها.

ثمّ أشار ثانياً إلى أنواع غلوهم فحُلّت الآلهة الثلاثة مكان الإله الواحد، وُعّد المسيح أحد الآلهة تارة، وابن الإله أُخرى، فهذا كلّه غلو وإفراط، قال: «فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنّما اللّهُ إِلهٌ واحدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ وكَفى بِاللّهِ وَكيلاً».(2)

فكما أنّ الإفراط غلو وتجاوز للحد فهكذا التفريط والتقصير، والداعي إلى


1 . النساء:171.
2 . النساء:171.


(514)

الأخير إمّا عجز الإنسان وعيّه عن أداء الحقّ، أو حسده وحقده.

وللإمام أمير المؤمنين حول الإفراط والتفريط كلمتان نأتي بهما:

1. قال: الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، والتقصير عن الاستحقاق عيّ أو حسد.(1)

2. وقال: إنّ دين اللّه بين المقصر والغالي، فعليكم بالنمرقة الوسطى، فيها يلحق المقصر، ويلحق إليها الغالي.(2)

فالمسلم الحرّ، لايعدل عن النمرقة الوسطى، وهو يخضع للحق مكان خضوعه للملق والعاطفة، أو للبغض والحسد.

إنّ كثيراً من أهل السنّة، غالوا في حقّ الصحابة وتجاوزوا الحد، خضوعاً للعاطفة، وإغماضاً عمّا ورد في حقّهم في الكتاب العزيز والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح، فألبسوهم جميعاً لباس العدالة ـ بل العصمة من غير وعي ـ فصاروا مصادر للدين، أُصوله وفروعه، دون أن يقعوا في إطار الجرح والتعديل، من غير فرق بين من آمن قبل بيعة الرضوان وبعدها، ومن آمن قبل الفتح أو بعده، ومن غير فرق بين الطلقاء وأبنائهم والأعراب، مع تفريق الكتاب العزيز بينهم في الإيمان والإخلاص، فالكلّ في نظرهم من أوّلهم إلى آخرهم عدول، لا يخطئون ولا يسهون، ولا يعصون.

وليس هذا إلاّ نوعا من الغلو لم يعهد في أُمّة عبر التاريخ.

مظاهر الغلو

و هنا ـ وراء القول بعدالتهم بل عصمتهم ـ مظاهر للغلو، نشير إليها:


1 . نهج البلاغة: قصار الكلمات، 347.
2 . ربيع الأبرار للزمخشري:2/63.


(515)

1. سنّة الصحابة

يرى غير واحد من الباحثين انّ للصحابة سنّة، تُعتبر حجة يعمل بها، وإن لم تكن في الكتاب الكريم ولا في المأثور عن النبي، قال مؤلّف كتاب «السنّة قبل التدوين».(1)

«وتطلق السنّة أحياناً عند المحدّثين وعلماء أُصول الفقه على ما عمل به أصحاب رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، سواء أكان في الكتاب الكريم أم في المأثور عن النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أم لا. ويحتج لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسُنّتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنّواجذ». وقوله أيضاً: «تفترق أُمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلاّ واحدة»، قالوا: ومَن هم يا رسول اللّه؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي».

ومن أبرز ما ثبت في السنّة بهذا المعنى (سنّة الصحابة) حد الخمر، وتضمين الصناع، وجمع المصاحف في عهد أبي بكر برأي الفاروق، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين... وما أشبه ذلك ممّا اقتضاه النظر المصلحي الذي أقرّه الصحابة رضي اللّه عنهم.

ثمّ قال:

وممّا يدلّ على أنّ السنّة هي العمل المتبع في الصدر الأوّل قول علي بن أبي طالبـ عليه السَّلام ـ لعبد اللّه بن جعفر عندما جلد شارب الخمر أربعين جلدة: «كفّ. جلد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أربعين، وأبو بكر أربعين، وكمّلها عمر ثمانين وكلّ سنّة».(2)

روى السيوطي: قال حاجب بن خليفة شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب


1 . الدكتور محمد عجاج الخطيب، أُستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة بدمشق.
2 . تدوين السنة:20، ط دار الفكر.


(516)

وهو خليفة فقال في خطبته: ألا إنّ ما سنَّ رسول اللّه وصاحباه فهو دين نأخذ به، وننتهي إليه وماسنّ سواهما فإنّما نرجئه.(1)

هذا وقد احتلّت فتوى الصحابة منزلة الآثار النبوية يأخذ بها فقهاء السنّة، يقول الشيخ أبو زهرة: ولقد وجدناهم (الفقهاء) يأخذون جميعاً بفتوى الصحابي ولكن يختلفون في طريق الأخذ، فالشافعي كما يصرح في «الرسالة» يأخذ بفتواهم على أنّها اجتهاد منهم واجتهادهم أولى من اجتهاده، ووجدنا مالكاً ـ رضي اللّه عنه ـ يأخذ بفتواهم على انّها من السنّة . الخ

وهذا يعرب عن أنّ للصحابة حق التشريع وجعل الأحكام في ضوء المصالح العامة، مع أنّ الكتاب العزيز دلّ بوضوح على أنّ حق التشريع خاص باللّه فقط، ولا يحق لأحد أن يفرض رأيه على الآخرين.

فدفعُ زمام التشريع إلى غيره سبحانه أشبه بعمل أهل الكتاب حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه. فلم يعبدوهم، بل خضعوا لهم في التحريم والتحليل فصاروا أرباباً في مجال التقنين والتشريع.

روى الثعلبي باسناده عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول اللّه وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك» قال: فطرحته، ثم انتصب إليه وهو يقرأ هذه الآية: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرباباً»(2) حتى فرغ منها، فقلت: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يحرّمون ما أحله اللّه فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم اللّه فتتحلّونه؟» قال: فقلت: بلى، قال: «فتلك عبادة»(3).

وأين هذا ممّا عليه أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ روى جابر بن عبد اللّه عن أبي جعفر


1 . تاريخ الخلفاء: 16.
2 . التوبة:31.
3 . تفسير الثعلبي:5/314.


(517)

الباقرـ عليه السَّلام ـ قال: «يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا، لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه».(1)

وممّن وقف على خطورة الموقف، الشوكاني قال: والحق إنّ قول الصحابي ليس بحجّة، فانّ اللّه سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأُمّة إلاّ نبيّنا محمّداً، وليس لنا إلاّ رسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلّفون على السواء باتّباع شرعه والكتاب والسنّة، فمن قال: إنّه تقوم الحجّة في دين اللّه بغيرهما فقد قال في دين اللّه بما لا يثبت وأثبت شرعاً لم يأمر اللّه به.(2)

وممّن بالغ في حجّية قول الصحابي ـ غير المسند إلى الرسول ـ ابن قيّم الجوزية في كتابه «اعلام الموقعين» وقد أوضحنا حال أدلّته البالغة إلى ستة وأربعين دليلاً، في تقديمنا لكتاب طبقات الفقهاء، القسم الأوّل، فلاحظ.(3)

والعجب انّ الصحابة لم يدّعوا لأنفسهم هذا المقام ولم يغالوا في حقّهم ولم يتجاوزوا الحد، وهذا هو عمربن الخطاب يقول: وإنّي لعلي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم،وآمركم بأشياء لا تصلح لكم.(4)

وقد شاع وذاع عن الخلفاء قولهم: أقول فيها برأيي فإن أصبتُ فمن اللّه، وإن أخطأت فمنّي أو من الشيطان» فكيف يمكن أن يكون الرأي المردد بين اللّه وغيره حكماً شرعياً لازم الاتّباع إلى يوم البعث.

إن هذا إلاّ الغلو الواضح النابع من القول بعصمتهم من غير وعي.


1 . جامع أحاديث الشيعة:1/17.
2 . إرشاد الفحول:214.
3 . الفقه الإسلامي منابعه وأدواره: 289ـ 303.
4 . تاريخ بغداد:14/81.


(518)

2. العزوف عن نقد الصحابة

من مظاهر الغلو في الصحابة هو العزوف عن نقد الصحابة، والمنع عن التكلم حول ما دار بينهم من النزاع والنقاش، يقول إمام الحنابلة:

وخير هذه الأُمّة بعد نبيّهاـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر، و خيرهم بعد عمر، عثمان، وخيرهم بعد عثمان علي ـ رضوان اللّه عليهم ـ خلفاء راشدون مهديّون، ثمّ أصحاب محمّد بعد هؤلاء الأربعة لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ثمّ يستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة، وجلده في المجلس حتّى يتوب ويراجع.(1)

وقال الإمام الأشعري: ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بها ونتولّى بها ونتولّى سائر أصحاب النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونكفّ عمّا شجر بينهم...(2)

وقال أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي(المتوفّى 377هـ) عند ما ذكر عقائد أهل السنّة ومنها: الكفّ عن أصحاب محمد.(3)

وعندما يقف الباحث على مصادر جمة وتظهر أمامه أفانين من اقتراف المعاصي وسفك الدماء الطاهرة، وهتك الحرمات، ويجابههم بهذه الحقائق، فإنّهم يلتجئون إلى ما يُروى عن عمر بن عبد العزيز وأحياناً عن الإمام أحمد بن حنبل من لزوم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة من الاختلاف، وكثيراً ما يقولون حول الدماء التي أُريقت بيد الصحابة ـ حيث قتل بعضهم بعضاً ـ تلك دماء طهّر اللّه


1 . كتاب السنة لأحمد بن حنبل: 50.
2 . الإبانة: 40، ط دار النفائس، ومقالات الإسلاميين:294.
3 . التنبيه والردّ : 15.


(519)

منها أيدينا فلا نلوّث بها ألسنتنا.

غير أنّ هذه الكلمة ـ من أيّ شخص صدرت ـ تخالف القرآن الكريم والسنّة النبوية والعقل الصريح.

أمّا القرآن الكريم فقد وصف طوائف من الصحابة بالأوصاف التي سوف تقف عليها عند تصنيف الصحابة والتي منها الفسق وقال فيما قال: «يا أَيُّها الّذينَ آمَنوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبإ فَتَبيّنوا أَن تصيبُوا قَوْماً بِجَهالة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمين».(1)

وأمّا السنّة النبوية فهي تصف قتلة عمار بالفئة الباغية حيث قالـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنّة ويدعونك إلى النار».(2) وكان معاوية، وعمرو بن العاص يقودان الفئة الباغية.

ويقولـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حقّ الخوارج:« تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق».(3)

وهذه الأحاديث وأمثالها كثيرة مبثوثة في الصحاح والمسانيد، فإذا كان الإمساك أمراً واجباً والإطلاق أمراً محرماً، فلماذا أطلق الوحي الإلهي والنبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لسانهما بوصف هؤلاء بالأوصاف الماضية؟!

وأمّا العقل فلا يجوّز لنا أن نلبس الحق بالباطل ونكتم الحقّ ونكيل للظالم والعادل بمكيال واحد، أمّا ما روي عن الإمام أحمد فلعلّه يريد به الإمساك عن الكلام فيهم بالباطل والهوى، وأمّا الكلام فيهم بما اشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار ونقله المحدّثون والمؤرخون في كتبهم وأُشير إليه في الذكر الحكيم فلا معنى


1 . الحجرات:6.
2 . الجمع بين الصحيحين:2/461، رقم1794.
3 . السنّة لابن حنبل،رقم 41.


(520)

للزوم الإمساك عنه.

ثمّ إنّه يُستشفّ من هذا الكلام أنّ الدماء التي أُريقت في وقائع الجمل وصفين والنهروان، كانت قد سُفكت بغير حق، وهذا ـ وأيم الحق ـ عين النصب، وقضاء بالباطل، وإلاّ فأي ضمير حرّ يحكم بأنّ قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، كان قتالاً بغير حقّ؟! وكلّنا يعلم أنّ أمير المؤمنينـ عليه السَّلام ـ كان على بيّنة من ربّه وبصيرة من دينه، يدور معه الحقّ حيثما دار، وهو الذي يقول: «واللّه لو أُعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصيَ اللّهَ في نملة أسلبُها جِلْبَ شعيرة ما فعلتُ».

ما هذا التجنّي أمام الحقائق الواضحة؟!

أو ليس العزوف عن نقد الصحابة تكريساً للأخطاء، وإيغالاً في التقديس؟!

أو ليس تنزيه الصحابة جميعاً تنكّراً للطبيعة البشرية.

إنّ النقد الموضوعي تعزيز لجبهة الحق، وتمييز الخبيث من الطيّب، والمبطل عن المحق قال سبحانه: «ما كانَ اللّهُ لِيَذَرَ المُؤْمنينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبيثَ مِنَ الطَّيّبِ».(1)

ولو كان الكفّ عمّا اقترفوا أمراً واجباً فلماذا خرق النبي هذا الستر وأخبر عن رجوعهم عن الطريق المهيع.

وهذا هو الإمام البخاري يروي روايات كثيرة حول ارتداد بعض الصحابة بعد رحيل النبي، نكتفي بواحدة منها.

إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتّى إذا


1 . آل عمران:179.


(521)

عرفتهُم خرج رجل بيني و بينهم فقال: هلم! فقلت: أين؟ فقال: إلى النار واللّه، فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى، ثمّ إذا زمرة أُخرى، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل بيني و بينهم فقال لهم: هلم، فقلت: إلى أين؟ قـال: إلى النـار واللّه، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل هِمْل النعم».(1)

وظاهر الحديث:«حتّى إذا عرفتهم» و قوله: «ارتدوا على أدبارهم القهقرى» أنّ الذين أدركوا عصره وكانوا معه، هم الذين يرتدون بعده.

إذا راجعنا الصحاح والمسانيد نجد أنّ أصحابهم أفردوا باباً بشأن فضائل الصحابة إلاّ أنّهم لم يفردوا باباً في مثالبهم، بل أقحموا ما يرجع إلى هذه الناحية في أبواب أُخر، ستراً لمثالبهم وقد ذكرها البخاري في الجزء التاسع من صحاحه في باب الفتن، وأدرجها ابن الأثير في جامعه في أبواب القيامة عند البحث عن الحوض، والوضع الطبيعي لجمع الأحاديث وترتيبها، كان يقتضي عقد باب مستقل للمثالب في جنب الفضائل حتّى يطلع القارئ على قضاء السنة حول صحابة النبي الأكرم.

3. السنّة قاضية على القرآن

القرآن الكريم هو المرجع الأوّل للمسلمين في الشريعة والعقيدة، وقد وصفه سبحانه بأنّ فيه تبياناً لكلّ شيء، قال: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيء».(2)


1 . جامع الأُصول لابن الأثير:11/120، كتاب الحوض في ورود الناس عليه، رقم الحديث 7972. و «الفرط»: المتقدم قومه إلى الماء، ويستوي فيه الواحد والجمع ، يقال: رجل فرط وقوم فرط.
2 . النحل:89.


(522)

والمراد من الشيء في الآية إمّا المعنى العام، أو المعنى الخاص، أي العقيدة والشريعة، والمعنى الثاني هو القدر المتيقّن، فيجب أن يكون ميزاناً للحقّ والباطل فيما تحكيه الروايات في مجالي العقيدة والشريعة.

كما أنّه سبحانه عرّفه في مكان آخر بأنّه المهيمن على جميع الكتب السماوية«وَأَنْزَلْنَا إِليكَ الْكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ».(1)

فإذا كان القرآن مهيمناً على جميع الكتب السماوية وميزاناً للحقّ والباطل الواردين فيها، فأولى أن يكون مهيمناً على ما يُنسب إلى صاحب الشريعة المحمّدية من صحيح وسقيم.

ومقتضى ذلك أن يكون القرآن حاكماً على السنّة ومعياراً لصحّتها وسقمها; ولكن الغلوّ في رواة السنّة وعلى رأسهم الصحابة، انتهى إلى خلاف ذلك، فصارت السنّة قاضية على القرآن، حاكمة عليه، وهذا أحد مظاهر الغلوّ في الصحابة ومن تتلمذ على أيديهم حيث قدّموا رواياتهم على كتاب ربّ العزّة، وإن كنت في ريب ممّا ذكرنا فاقرأ ما نتلوه عليك:

روى الحافظ الكبير أبو محمد عبد الرحمن الدارمي في سننه في باب «السنّة قاضية على كتاب اللّه» بسنده عن يحيى بن أبي كثير قال: السنّة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنّة.(2)

قال الإمام الأشعري واختلفوا في القرآن هل ينسخ إلاّ بقرآن، وفي السنّة هل ينسخها القرآن؟ فقال: المختلفون في ذلك ثلاثة أقاويل، منها:

السنّة تنسخ القرآنَ وتقضي عليه، والقرآن لا ينسخ السنّة ولا يقضي


1 . المائدة:48.
2 . سنن الدارمي:1/144.


(523)

عليها.(1)

لا شكّ انّ السنّة المحكية الّتي تصدر عن لسان النبيّ هي كالقرآن الكريم، تخصِّص عموم القرآن وتقيّد مطلقه، ولا يكون بينهما أيّ خلاف حتّى يكون أحدهما قاضياً على الآخر، إنّما الكلام في هذه السنن الحاكية المبثوثة في الصحاح والسنن والمسانيد، فهل يمكن أن تكون تلك السنّة قاضية على كتاب اللّه ولا يكون الكتاب قاضياً عليها؟!

«تلك إذاً قسمة ضيزى».

4. حجّية رواياتهم بلا استثناء

من مظاهر الغلو في حقّ الصحابة، حجّية رواياتهم بلا استثناء، مع أنّ الصحابة كانوا على أصناف يعرفهم كلّ من قرأ الكتاب العزيز وتدبّر في آياته.

كانت في الصحابة طائفة من المؤمنين المخلصين بدرجات مختلفة، وفيهم المسلمون الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم، وفيهم المنافقون وهم عدد غير قليل، وفيهم المؤلّفة قلوبهم، وفيهم من نزل القرآن بفسقه، وفيهم من أُقيم عليه الحدّ الشرعي في زمن النبيّ، وفيهم من ارتدّ عن دينه إلى غير ذلك من الأصناف الّتي لا يحتجّ بأقوالها ورواياتها.

ومع ذلك احتجُ بروايات الصحابي مطلقاً ، ومن دون استثناء.

إنّ الرسول الأعظمـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حذّر أصحابه من الكذب عليه في حياته، وهذا يعرب عن وجود من كان يكذب عليه في حياته فكيف بعد مماته.

روى البخاري، عن رِبْعي بن حراش يقول: سمعت عليّاً يقول: قال


1 . مقالات الإسلاميين:608.


(524)

النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لا تكذبوا عليّ فانّه مَنْ كذب عليّ فليلج النار».(1)

وروى أيضاً عن عبد اللّه بن الزبير قال: قلت للزبير: إنّي لا أسمعك تحدّث عن رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما يحدّث فلان وفلان؟ قال: إنّي لم أُفارقه، ولكن سمعته يقول:«من كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النّار».

إلى غير ذلك من الأحاديث الّتي رواها الإمام البخاري في هذه المضمار.

وقد عقد ابن ماجة في سننه باب التغليظ على تعمّد الكذب على رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وروى فيه ثماني روايات حول نهي النبي عن الكذب عليه.

وعن أبي قتادة قال: سمعت رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول على هذا المنبر: إيّاكم وكثرة الحديث عنّي، فمن قال، عليّ فليقل عدلاً أو صدقاً، و من تقوّل عليّ ما لم أقل فليتبوّأ مقعده من النار.(2)

ماذا يريد رسول اللّه من خطابه: «إيّاكم وكثرة الحديث عنّي» ألا يدلّ هذا على أنّه كان بين الصحابة من يتقوّل عليه وينقل عنه ما لم يقل؟ نعم هذا لا يستلزم اختصاص الحكم بالصحابة، بل يحرم التقوّل على غير الصحابي، أيضاً بملاك الاشتراك في التكليف، ولكن الخطاب متوجه إلى الصحابة يخصّهم بالذكر وإن كان الحكم واسعاً.

ثمّ إنّ ابن ماجة عقد باباً آخر، تحت عنوان «من حدّث عن رسول اللّه حديثاً وهو يُرى أنّه كذب» روى فيه أربع روايات كلّها بمضمون الحديث التالي :من حدّث عنّي حديثاً وهو يرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين.(3)


1 . صحيح البخاري:1، باب إثم من كذب على النبيّ، الحديث 106ـ 107.
2 . سنن ابن ماجة:1/14، رقم35.
3 . سنن ابن ماجة:1/14، قسم المقدمة، برقم38.


(525)

وهذا يكشف عن وجود أرضية سيّئة بين نقلة الحديث في عصر الرسول، أفيمكن بعد هذه الروايات أن نكيل عامة الصحابة بكيل واحد ونصفهم بالعدل والزهد والتقى؟! مع أنّ منهم ـ بعدما ظهر كذبه في الحديث ـ من يعتذر بأنّه من كيسه.

أخرج البخاري عن أبي صالح، قال: حدّثني أبوهريرة، قال: قال النبيّـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أفضل الصدقة ما ترك غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إمّا أن تطعمني وإمّا أن تطلقني.

ويقول العبد: اطعمني واستعملني.

ويقول الابن: ا طعمني إلى من تدعني؟

فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟!

قال: لا، من كيس أبي هريرة.

ورواه الإمام أحمد في مسنده باختلاف طفيف في اللفظ.

انظر إلى الرجل ينسب في صدر الحديث الرواية إلى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بضرس قاطع، ولكنّه عندما سُئل عن سماع الحديث من رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عدل عمّا ذكره أوّلاً، وصرح بأنّه من كيسه الخاص أي من موضوعاته.(1)

5. القول بعدالتهم جميعاً

إنّ من مظاهر الغلو في الصحابة، القول بعدالتهم جميعاً، كأنّ الرؤية أو الصحبة جعلتهم ملائكة يسيرون في الأرض بصورة الإنس، لا يعصون اللّه ما


1 . البخاري، كتاب النفقات، رقم الحديث5355 ; مسند أحمد:2/252.


(526)

أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

والقوم وإن كانوا يصفونهم بالعدل، ولكن يتعاملون معهم بنحو كأنّهم معصومون، فوق أن يكونوا عدولاً، ولذلك يتحاشون عن نسبة أيّ ذنب أو خطيئة إليهم، إلى حدّ ذهب الإمام أحمد إلى وجوب الإمساك عن التعرض للصحابة وحمل أعمالهم على الصحة، قال: لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب أو نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه عقوبته ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ثمّ يستتيبه فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وجلده في المجلس حتّى يتوب ويراجع.(1)

وقال ابن حجر : ويجب الاعتقاد بنزاهتهم لأنّه قد ثبت أنّ الجميع من أهل الجنّة وأنّه لا يدخل أحد منهم النار.(2)

ليت ابن حجر يشير إلى آية أو رواية صحيحة تدلّ على أنّ جميع الصحابة من أهل الجنّة، وأنّه لا يدخل أحد منهم النار،و سيوافيك من الصحابة مَن وصفه اللّه سبحانه بأنّه فاسق.(3) كما وصف لفيفاً منهم بأنّهم يريدون الدنيا ولفيفاً يريدون الآخرة و قال:«منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة».(4)

كيف تحرم النار على مَن ترك رسول اللّه وهو يلقي عليهم خطبة الجمعة وذهب للّهو والتجارة، قال سبحانه:«وإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً...»(5) ، إلى غير ذلك من الآيات الذامة لفئة منهم، وستوافيك تلك الآيات في مكانها.


1 . السنّة وعقيدة أهل السنّة:50.
2 . الإصابة:1/1.
3 . الحجرات:6 .
4 . آل عمران:152.
5 . الجمعة:11.


(527)

وقال الذهبي: وأمّا الصحابة فبساطهم مطوي، وإن جرى ما جرى، وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات!! فما يكاد يسلم أحد من الغلط ولكنّه غلط نادر لا يضر أبداً، إذ على عدالتهم، وقبول ما نقلوا ـ العمل وبه ندين اللّه تعالى. وأمّا التابعون فيكاد فيهم ـ من يكذب عمداً، ولكن لهم غلط وأوهام... وأمّا أصحاب التابعين كمالك والأوزاعي، وهذا الضرب، فعلى المراتب المذكورة ووجد في عصرهم من يتعمد الكذب أو من كثر غلطه، فترك حديثه هذا مالك وهو النجم الهادي بين الأُمّة ، وما سلم من الكلام فيه، وكذا الأوزاعي ثقة حجة، وربما انفرد ووهم، وحديثه عن الزهري فيه شيء... .(1)

وقال الطحاوي: ونحبّ أصحاب رسول اللّه ولا نفرّط في حب أحد منهم، ولا نتبرّأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلاّ بخير، وحبّهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.(2)

ولمّا كان القول بعدالة الصحابة جميعاً أمراً غريباً، إذ كيف يتصوّر أنّ جماعة كثيرة ربما تناهز مائة ألف قد صاروا عدولاً بمجرّد الرؤية أو بإضافة الصحبة مع أنّ قسماً منهم كانوا يفقدون حسن السابقة في عهد الجاهلية وارتكبوا جنايات يندى لها الجبين، فهل يمكن أن تكون رؤية الرسولـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو صحبته إكسيراً يقلب العنصر الخبيث إلى العنصر الطيب كقلب النحاس إلى الذهب؟

كلاّ لا يمكن، ولا العقل يصدقه، ولا العلم ولا التجربة الاجتماعية.

ولذلك نرى أنّ بعض المنصفين من أهل السنة توقّفوا في الحكم بعدالة جميع


1 . الرواة الثقات: 21.
2 . شرح العقيدة الطحاوية:396.


(528)

الصحابة فلم يؤيّدوا عدالتهم بقول مطلق ولم ينفوها كذلك ولم يبدوا رأيهم في المسألة وإنّما حكوا الآراء فيها وإليك نقل بعض كلماتهم:

قال الآمدي: اتّفق الجمهور على عدالة الصحابة، وقال قوم: إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم في الرواية، ومنهم من قال: إنّهم لم يزالوا عدولاً إلى حين ما وقع الاختلاف والفتن فيما بينهم، وبعد ذلك فلابدّ من البحث في العدالة عن الراوي أو الشاهد منهم إذا لم يكن ظاهر العدالة، ومنهم من قال: إنّ كلّ من قاتل عليّاً عالماً منهم فهو فاسق مردود الرواية والشهادة على الإمام الحقّ، ومنهم من قال بردّ رواية الكلّ وشهادتهم، لأنّ أحد الفريقين فاسق وهو غير معلوم ولا معيّن.(1)

قال الغزالي: وزعم قوم إنّ حالهم ـ أي الصحابة ـ كحال غيرهم في لزوم البحث، وقال قوم: حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهور الحرب والخصومات، ثمّ تغيرت الحال وسفكت الدماء فلابدّ من البحث.(2)

وسيوافيك انّ القول بعدالة الصحابة أو التوقّف فيها مرفوض بتصريح القرآن على خلافه وشهادة السنّة على ضدّه.


1 . الاحكام:2/128.
2 . المستصفى:1/308.


(529)

8
الاعتقاد بعدالة الصحابة كخلافة الخلفاء
ليس من صميم الدين

من يراجع الرسائل والكتب العقائدية يقف فيها على مسألتين تعتبران منذ عصر الإمام أحمد(المتوفّى 241هـ) من صميم الدين وممّا يجب الإيمان به، وهما:

1. خلافة الخلفاء الأربعة.

2. عدالة الصحابة جميعاً.

يقول إمام الحنابلة في رسالة عقائدية: وخير هذه الأُمّة بعد نبيّهاـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر، عمر، وخيرهم بعد عمر، عثمان، وخيرهم بعد عثمان، علي ـ رضوان اللّه عليهم ـ خلفاء راشدون مهديّون، ثمّ أصحاب محمد بعد هؤلاء الأربعة.(1)

وقال الإمام الأشعري في رسالة ألّفها لبيان عقيدة أهل الحديث:

إنّ الإمام الفاضل بعد رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أبو بكر الصدّيق، ثمّ عمر بن الخطاب، ثمّ عثمان بن عفان، ثمّ علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ .


1 . السنّة: 50.


(530)

فهؤلاء الأئمّة بعد رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخلافتهم خلافة النبوّة.(1)

وقال أبو جعفر الطحاوي في العقيدة الطحاوية المسمّاة بـ«بيان السنّة والجماعة»:

وتثبيت لأبي بكر الصديق تفضيلاً وتقديماً على جميع الأُمّة ثمّ لعمر بن الخطاب، ثمّ لعثمان، ثمّ لعلي».(2)

هذه النصوص المذكورة وما لم نذكره تعرب عن أنّ خلافة الخلفاء ـ عند القوم ـ عقيدة إسلامية يجب على كلّ مسلم الاعتقاد بها كالاعتقاد بسائر الأُصول من توحيده سبحانه ونبوّة نبيّه ومعاد الإنسان، وقد ذكرها الإمامان: أحمد والأشعري في عداد عقائد أهل السنة والجماعة.

هذا هو المفهوم من هذه الكلمات وربما يتصوّر القائل أنّ الاعتقاد بخلافة الخلفاء أصل من أُصول الإسلام وقد جاء به النبيّ الخاتم وأمر الناس بالاعتقاد به.

الاعتقاد بخلافة الخلفاء ليس من صميم الدين

كيف يتصوّر ذلك مع أنّ النبيّـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يقبل إسلام من ذكر الشهادتين دون أن يسأله عن خلافة الخلفاء؟

والذي يدلّ على أنّ خلافة الخلفاء ليست أصلاً دينيّاً وإنّما هي مرحلة زمنية مرّ بها المسلمون في فترة من تاريخهم كما مرّوا بخلافة سائر الخلفاء، هو أنّ أصل الخلافة والإمامة من الفروع عند متكلّمي أهل السنّة، فكيف تكون خلافة


1 . الإبانة في أُصول الديانة:21ـ 22، باب إبانة قول أهل الحقّ والسنّة.
2 . شرح العقيدة الطحاوية، للشيخ عبد الغني الميداني الحنفي الدمشقي: 479. ولاحظ الفرق بين الفرق: 350، للبغدادي وغيره.


(531)

الخلفاء من الأُصول؟

قال الغزالي: واعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليست من المهمّات، وليس أيضاً من فن المعقولات، بل من الفقهيّات.(1)

وقال الآمدي: اعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات، ولا من الأُمور اللابدّيّات بحيث لا يسع المكلّف الإعراض عنها والجهل بها.(2)

وقال السيد الشريف: وليست الإمامة من أُصول الديانات والعقائد، بل هي من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين، إذ نصب الإمام عندنا واجب على الأُمّة سمعاً.(3)

فإذا كانت الكبرى حكماً فرعياً من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قام المسلمون بعد رحيل الرسول بتطبيقها على الخلفاء الأربعة ثم توالى الخلفاء بعدهم، أفهل يكون ذلك دليلاً على أنّ الاعتقاد بخلافتهم أصل من الأُصول؟

إذ طالما قام المسلمون بواجبهم في أكثر بقاع العالم فبايعوا شخصاً بالخلافة فلم تُصبح خلافته أصلاً من أُصول الإسلام، هذا من غير فرق بين أن نقول بصحّة خلافتهم وكونها جامعة شرائط الخلافة أم لم نقل، إنّما الكلام في أنّ الاعتقاد بها ليس أصلاً من أُصول الإسلام.

ومن سبر التاريخ يقف على أنّ يد السياسة أوجدت تلك الفكرة، وجعلت خلافة الخلفاء الثلاث أصلاً من أُصول الإيمان ليكون ذريعة إلى سائر المسائل السياسية.


1 . الاقتصاد في الاعتقاد، ص 234.
2 . غاية المرام في علم الكلام، ص 362.
3 . شرح المواقف، ج8، ص 344.


(532)

ذكر المسعودي: اجتمع عمرو بن العاص مع أبي موسى الأشعري في دومة الجندل، فجرى بينهما مناظرات، وقد أحضر عمرو غلامه لكتابة ما يتّفقان عليه، فقال عمرو بن العاص بعد الشهادة بتوحيده سبحانه ونبوّة نبيّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونشهد أنّ أبا بكر خليفة رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عمل بكتاب اللّه وسنّة رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتى قبضه اللّه إليه، وقد أدّى الحق الذي عليه.

قال أبو موسى: اكتب، ثمّ قال في عمر مثل ذلك، فقال أبو موسى: اكتب. ثمّ قال عمرو: اكتب انّ عثمان ولي هذا الأمر بعد عمر على إجماع من المسلمين وشورى من أصحاب رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ورضا منهم وأنّه كان مؤمناً، فقال أبو موسى الأشعري: ليس هذا ممّا قعدنا له، قال: واللّه لابدّ من أن يكون مؤمناً أو كافراً، فقال أبو موسى: كان مؤمناً. قال عمرو: فمره يكتب، قال أبو موسى: اكتب. قال عمرو: فظالماً قتل عثمان أو مظلوماً؟ قال أبو موسى: بل قتل مظلوماً، قال عمرو: أو ليس قد جعل اللّه لوليّ المظلوم سلطاناً يطلب بدمه؟ قال أبو موسى: نعم. قال عمرو: فهل تعلم لعثمان ولياً أولى من معاوية؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أفليس لمعاوية أن يطلب قاتله حيثما كان حتّى يقتله أو يعجز عنه؟ قال أبو موسى: بلى، قال عمرو للكاتب: اكتب وأمره أبو موسى فكتب، قال عمرو: فإنّا نقيم البيّنة على أنّ علياً قتل عثمان....(1)

ومن يقرأ قصة التحكيم في حرب صفّين يجد أنّ إقحام الاعتقاد بخلافة الشيخين، كان تمهيداً لانتزاع الإقرار بخلافة الثالث، ولم يكن الإقرار بخلافة الثالث مقصوداً بالذات، بل كان ذريعة لانتزاع اعترافات أُخرى من أنّه قتل مظلوماً، وأنّه ليس له وليّ يطلب بدمه أولى من معاوية وأنّ علياً هو الذي قتله.


1 . مروج الذهب للمسعودي:2/396ـ 397.


(533)

وقد استفحلت أهميّة الإيمان بخلافة الخلفاء ولا سيما الثالث في عهد معاوية للإطاحة بعليّ وأهل بيته وإقصائهم عن الساحة السياسية، حتّى يخلو الجوّ لمعاوية وأبناء بيته، وقد أمر الخطباء والوعّاظ بنشر مناقب الخلفاء أوّلاً، وسائر الصحابة ثانياً، والمنع عن نشر أيّة فضيلة من فضائل أمير المؤمنين عليـ عليه السَّلام ـ .

إنّ الرسائل العقائدية الّتي أشرنا إليها اشتملت على ما يربو على خمسين أصلاً، يتراءى لنا أنّها من أُصول الإسلام، وأنّها ممّا قد أجمع عليها المسلمون بعد رحيل الرسول،ولكن الواقع غير ذلك فأكثر الأُصول ردود على الفرق الكلامية الّتي ظهرت في الساحة، فصارت العقائد الإسلامية كأنّها ردود على الفرق الناجمة في عصر التيارات الكلامية ولا أصالة لها. ولولا تلك الفرق الضالة! لم يكن لهذه الأُصول عين ولا أثر، حتّى أنّ مسألة تربيع الخلفاء تمّ الاتّفاق عليها في عصر الإمام أحمد، و كان أكثر المحدّثين على التثليث.

قد ذكر ابن أبي يعلى بالاسناد إلى وديزة الحمصي قال: دخلت على أبي عبد اللّه أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعلي ـ رضي اللّه عنه ـ فقلت له: يا أبا عبد اللّه إنّ هذا لطعن على طلحة والزبير، فقال:بئس ما قلت وما نحن وحرب القوم وذكرها، فقلت: أصلحك اللّه إنّما ذكرناها حين ربّعت بعلي وأوجبت له الخلافة وما يجب للأئمّة قبله، فقال لي: وما يمنعني من ذلك؟ قال: قلت: حديث ابن عمر. فقال لي: عمر خير من ابنه فقد رضي علياً للخلافة على المسلمين وأدخله في الشورى، وعلي بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه ـ قد سمّى نفسه أمير المؤمنين، فأقول: أنا ليس للمؤمنين بأمير، فانصرفتُ عنه.(1)

والحقّ أنّ الأُصول التي تبنّاها الإمام أحمد وبعده الإمام الأشعري أو جاءت


1 . طبقات الحنابلة:1/393.


(534)

في العقيدة الطحاوية هي أُصول استنبطها الإمام من الآيات والروايات فجعلها عقائد إسلامية يجب الإيمان بها، وهي أولى بأن تسمّى: عقائد الإمام أحمد بدل أن تسمّى عقائد إسلاميّة.

الاعتقاد بعدالة الصحابة ليس من صميم الدين

هذا هو حال الخلافة التي جعلوها من الأُصول ولا تمتّ إليها بصلة، ولنبحث الآن مسألة عدالة الصحابة، أي عدالة مائة ألف إنسان رأى النبيّ وشاهده أو عدالة خمسة عشر ألف صحابي سُجّلت أسماؤهم في المعاجم فقد هتفت الكتب الرجالية بعدالتهم على الإطلاق، وحُرّم أيّ نقد علمي أو تاريخي في حقّهم، بل عُدّ الناقد لهم خارجاً عن الإسلام مبطلاً لأدلة المسلمين على ما مرّ.(1)

إنّ الدارس لتاريخ حياة الصحابة يقف بوضوح على أنّ هذه الحالة القدسية التي يضفيها جمهور السنّة على الصحابة ليست إلاّ وليدة عصر متأخر عنهم، ولم تزل هذه الحالة تزداد وتتّسع، حتّى أصبحنا في عصر لا يمكن فيه لأحد أن يبحث في ممارسات الصحابة وسلوكيّاتهم، ولا أن يشير إلى مواضع الألم في تاريخ تلك الحقبة، حتّى ولو اعتمد القائل في قضائه على الآيات والروايات والتاريخ الصحيح، بل يتّهم بأنّه زنديق، وأنّ الجارح أولى بالجرح.

لقد تكوّنت هذه النظرية ونشأت عن العاطفة الدينية التي حملها المسلمون تجاه الرسول الأكرم وجرّتهم إلى تبنّي تلك الفكرة واستغلّتها السلطة الأموية لإبعاد الناس عن أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ أحد الثقلين الذين تركهما الرسولـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد رحيله لهداية الناس.


1 . لاحظ ص518 من هذا الكتاب.


(535)

والشاهد على أنّ هذه القداسة طارئة على فكر المجتمع الإسلامي، هو تضافر الآيات على تصنيف الصحابة إلى أصناف مختلفة يجمعها من حسنت صحبته ومن لم تحسن، كما تضافرت الروايات على ذمّ لفيف منهم، وقد احتفل التاريخ بنزاعهم وقتالهم وقتلهم الأبرياء، ومع ذلك كلّه فعدالة الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم صارت كعقيدة راسخة في فكر المجتمع الإسلامي، لا يجترئ أحد على التشكيك فيها إلاّ من تجرّد عن العقائد المسبقة وقدّم تبنّي الحقيقة على المناصب الدنيوية وزخارفها وابتاع لنفسه أنواع التهم والذموم.

وها نحن نذكر شيئاً من الآيات الصريحة في ذمّ لفيف منهم على نحو لا يبقى معه شكّ لمشكّك ولا ريب لمرتاب.

وهذا ما سيوافيك في الفصل التالي:


(536)

9
القرآن الكريم
وعدالة الصحابة

إنّ القرآن الكريم في مختلف سوره وآياته ينقد أقوال الصحابة وأفعالهم بوضوح كما أنّه في بعض آياته يثني على طائفة منهم، فمن الخطأ أن نركّز على طائفة دون طائفة، فها نحن ندرس في هذا الفصل بعض الآيات التي تنقد أفعالهم وآراءهم كما ندرس في الفصول القادمة الآيات المادحة.

1.تنبّؤ القرآن بارتداد لفيف من الصحابة

القرآن يتنبّأ بإمكان ارتداد بعض الصحابة بعد رحيل الرسولـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . وذلك لمّا انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحد وقتل من قتل منهم. يقول ابن كثير: نادى الشيطان على أنّ محمّداًـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد قتل. فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أنّ رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد قتل وجوّزوا عليه ذلك، فحصل ضعف ووهن وتأخّر عن القتال، روى ابن نجيح عن أبيه إنّ رجلاً من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحّط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أنّ محمّداًـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمّد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم. فأنزل اللّه


(537)

سبحانه قوله: «وَما مُحمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ ماتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيئاً وَسَيَجْزي اللّهُ الشّاكِرين».(1)

قال ابن قيّم الجوزية: كانت وقعة أُحد مقدّمة وإرهاصاً بين يدي محمّدـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونبّأهم ووبّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول اللّه أو قتل.(2)

والظاهر من الارتداد هو الأعمّ من الارتداد عن الدين الذي جاهر به بعض المنافقين والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحقّ إنساء ما أوصى به رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وهذه الآية تخبر عن إمكانية الانقلاب على الأعقاب بعد رحيل الرسول، فهل يمكن أن يوصف بالعدالة التامّة الّتي هي أُخت العصمة من كان يُحتمل فيه تلك الإمكانية؟ ولذلك ترى أنّهم لا يرضون بنقد آراء الصحابة وأقوالهم.

2. ترك الرسول قائماً وهو يخطب

بينا رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يخطب الجمعة قدمت عير المدينة فابتدرها أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتّى لم يبق معه إلاّ اثنا عشر رجلاً. فقال رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :والذي نفسي بيده، لو تتابعتم حتّى لا يبقى منكم أحد سال لكم الوادي ناراً، فنزلت هذه الآية:«وَإِذا رَأوا تِجارةً أَو لَهْواً انفضّوا إِليها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللّه خَيْرٌ مِنَ اللَّهو وَ مِنَ التِّجارَةِ وَاللّهُ خَيرُ الرّازِقين».

قال ابن كثير: يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع، من الانصراف عن


1 . تفسير ابن كثير:1/409 والآية 144 من سورة آل عمران.
2 . زاد المعاد: 253.


(538)

الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال تعالى: «وَإِذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إِليها وتركوك قائماً» أي على المنبر تخطب، هكذا ذكره غير واحد من التابعين منهم أبو العالية والحسن وزيد بن أسلم وقتادة وزعم بن حبّان أنّ التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم وكان معها طبل، فانصرفوا إليها وتركوا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قائماً على المنبر إلاّ القليل منهم، وقد صحّ بذلك الخبر، فقال الإمام أحمد: حدّثنا ابن إدريس، عن حصين بن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قال: قدمت غير مرّة المدينة ورسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلاً فنزلت «وَإِذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إِليها»أخرجاه في الصحيحين .(1)

أفمن يقدّم اللهو والتجارة على ذكر اللّه ويستخف بالنبيّ، يكون ذا ملكة نفسانية تحجزه عن اقتراف المعاصي واجتراح الكبائر، ما لكم كيف تحكمون؟

3. الخيانة بالنكاح سرّاً

شرّع اللّه سبحانه صوم شهر رمضان وحرّم على الصائم إذا نام ليلاً مجامعة النساء، فكان جماعة من المسلمين ينكحون سرّاً وهو محرّم عليهم.

قال ابن كثير: كان الأمر في ابتداء الإسلام، هو إذا أفطر أحدهم إنّما يحلّ له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو نام قبل ذلك فمتى نام أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القادمة، ثمّ إنّ أُناساً من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأنزل اللّه قوله: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيلةَ الصّيامِ


1 . تفسير ابن كثير:4/378; صحيح البخاري:1/316، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة ; صحيح مسلم:2/590 كتاب الجمعة، باب في قوله تعالى:
(وإذا رأوا تجارة...».


(539)

الرَّفثُ إِلى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنكُمّ كُنْتُمْ تَختانُونَ أَنفسكُمْ فتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فالآن باشِرُوهنَّ وابتَغُوا ما كَتَبَ اللّه لَكُمْ...».(1)

فهل يصحّ لنا أن نصف من خانوا أنفسهم بارتكاب الحرام بأنّهم عدول ذوي ملكة رادعة عن اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر؟! أو أنّ أكثرهم لم يكونوا حائزين تلك الملكة، وإنّما كانوا على درجة متوسطة من الإيمان والتقوى وقد يغلب عليهم حبّ الدنيا ولذّاتها.

خيانة بعض البدريّين

يقول سبحانه:«وَما كانَ لِنَبىّ أن يغُلَّ وَمَنْ يَغْلُل يَأْتِ بِما غَلَّ يَوم القِيامَةِ ثُمّ توفّى كُلّ نَفس ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلمُون».(2)

قال ابن كثير: نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعلّ رسول اللّه أخذها فأكثروا في ذلك، فأنزل اللّه:«وَما كانَ لِنَبيّ أن يغلّ وَمَنْ يَغْلل يَأْتِ بِما غلّ يَوم القِيامَة» وهذا تنزيه له ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة، ثمّ تبيّن أنّه قد غلّ بعض أصحابه.(3)

والآية تعرب عن مدى حسن ظنّهم واعتقادهم برسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتّى اتّهموه بالخيانة في الأمانة وتقسيم الأموال، ثمّ تبين أنّه قد غلّه بعض أصحابه، فهؤلاء الجاهلون بمكانة النبي، أو من مارس الخيانة في أموال المسلمين لا يوصفون بالعدالة.


1 . تفسير ابن كثير :1/219; صحيح البخاري: 4/1639، كتاب التفسير، وغيرهما، والآية 187 من سورة البقرة.
2 . آل عمران:161.
3 . تفسير ابن كثير:1/421; تفسير الطبري:4/155 في تفسير الآية، إلى غير ذلك من المصادر.


(540)

وهذا حال البدريين، لا الأعراب ولا الطلقاء ولا أبنائهم ولا المنافقين، فكيف حال من أتى بعدهم؟ ولعمري أنّ من يقرأ هذه الآيات البيّنات وما ورد حولها من الأحاديث والكلمات ثمّ يصرّ على عدالة الصحابة جميعاً دون تحقيق فقد ظلم نفسه وظلم أُمّته.

5. فاسق يغرّ النبيّ وأصحابه

يقول سبحانه: «يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصيبُوا قَوماً بِجَهالة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمين».(1)

أمر اللّه سبحانه بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلاّ يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذباً أو مخطئاً، قال ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسّرين أنّ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على صدقات بني المصطلق إلى حارث بن ضرار وهو رئيسهم ليقبض ما كان عنده ممّا جمع من الزكاة، فلمّا أن سار الوليد حتّى بلغ بعض الطريق فرق ـ أي خاف ـ فرجع حتّى أتى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا رسول اللّه إنّ الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي، فغضب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعث البعث إلى الحارث ـ رضي اللّه عنه ـ و أقبل الحارث بأصحابه حتّى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث. فلمّا غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إنّ رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنّك منعته الزكاة وأردت قتله، قال رضي اللّه عنه: لا والذي بعث محمّداًـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالحقّ ما رأيته بتة ولا أتاني، فلمّا دخل الحارث على رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: منعتَ الزكاة و أردتَ قتل رسولي؟ قال: لا،


1 . الحجرات:6.


(541)

والذي بعثك بالحقّ ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلاّ حين احتبس عليّ رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خشيت أن تكون سخطة من اللّه تعالى ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: «يا أيُّها الّذين آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسق بنبأ» إلى قوله: «حكيم».(1)

6. تنازعهم في الغنائم إلى حدّ التخاصم

إنّ صحابة النبي بعد انتصارهم على المشركين في غزوة بدر، استولوا على أموالهم وتنازعوا فيها إلى حدّ التخاصم، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب.

وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم أحقّ بها منّا ونحن منعنا عنه العدوّ وهزمناهم.

وقال الذين أحدقوا برسول اللّه: لستم بأحقّ بها منّا نحن أحدقنا برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرّة واشتغلنا به فنزل: «يسألونك عن الأنفالِ قُل الأَنفالُ للّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللّه ذات بَيْنِكم وأَطيعوا اللّه ورسوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤمنين».(2)

قال ابن كثير: سأل أبو أمامة عبادة عن الأنفال؟ قال فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه اللّه من أيدينا وجعله إلى رسول اللّه، فقسّمه رسول اللّه بين المسلمين عن سواء.(3)

وفي الآية إلماعات إلى سوء أخلاقهم حيث يعظ سبحانه هؤلاء السائلين ويأمرهم بأُمور ثلاثة بقوله:


1 . تفسير ابن كثير:4/209.
2 . الأنفال:1.
3 . تفسير ابن كثير:2/283.


(542)

1. «واتقوا اللّه» في أُموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما آتاكم اللّه من الهدى والعلم خير ممّا تختصمون بسببه.

2. «وأصلحوا ذات بينكم»: أي لا تسبّوا.

3. «و أطيعوا اللّه و رسولـه»: أي لا تخالفوه و لا تشاجروا.(1)

فالإمعان في الآيات النازلة حول هؤلاء المتنازعين والروايات الواردة في تفسير الآية، لا تدع مجالاً للشكّ في أنّ لفيفاً من الحاضرين في غزوة بدر لم يبلغوا مرحلة عالية تميزهم عن غيرهم، بل كانوا كسائر الناس الذين يتنازعون على حطام الدنيا وزبرجها دون أن يستشيروا النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في أمرها، ويسألونه عن حكمها، أفهؤلاء الذين كانوا يتنازعون على حطام الدنيا، يصبحون مُثُلاً للفضيلة وكرامة النفس والطهارة؟!

7. استحقاقهم مسَّ عذاب عظيم

كانت السنّة الجارية في الأنبياء الماضين انّهم إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم ينكّلون بهم بالقتل ليعتبر به من وراءهم حتّى يكفّوا عن عدائهم للّه ورسوله، وكانوا لا يأخذون أسرى حتّى يثخنوا في الأرض ويستقر دينهم بين الناس، فعند ذلك لم يكن مانع من الأسر، ثمّ يعقبه المنّ أو الفداء.

يقول سبحانه في آية أُخرى: «فإذا لَقِيتُمُ الّذين كَفَروا فَضربَ الرِّقابِ حتّى إِذا أَثخَنْتُموهُمْ فَشدّوا الوَثَاقَ فإِمّا منّاً بعدُ وإِمّا فِداء»(2) فأجاز أخذ الأسر، لكن بعد الإثخان في الأرض واستتباب الأمر.


1 . تفسير ابن كثير:2/285.
2 . محمد:4.


(543)

غير أنّ لفيفاً من الصحابة كانوا يصرون على النبي بالعفو عنهم وقبول الفداء منهم (قبل الإثخان في الأرض) فأخذوا الأسرى، فنزلت الآية في ذم هؤلاء وعرّفهم بأنّهم استحقوا مسَّ عذاب عظيم لولا ما سبق كتاب من اللّه، يقول سبحانه: «ما كان لنبيّ أن يكونَ لَهُ أَسرى حتّى يُثخِن فِي الأَرض تُريدُونَ عَرَض الدُّنيا وَاللّهُ يُريدُ الآخرة واللّهُ عَزيزٌ حَكيم * لَولا كِتابٌ مِنَ اللّه سَبق لَمَسَّكُم فيما أخذتُمْ عذابٌ عَظيم».(1)

والمستفاد من الآيتين أمران:

الأوّل: انّ الحافز لأكثرهم أو لفئة منهم هو الاستيلاء على عرض الدنيا دون الآخرة كما يشير إليه سبحانه بقوله: «تُريدُونَ عَرَض الدُّنيا وَاللّهُ يُريدُ الآخرة».(2)

الثاني: لقد بلغ عملهم من الشناعة درجة، بحيث استحقُّوا مسَّ عذاب عظيم، غير أنّه سبحانه دفع عنهم العذاب لما سبق منه في الكتاب، قال سبحانه: «لَولا كِتابٌ مِنَ اللّه سَبق لَمَسّكُمْ فيما أَخذتُم» أخذ الأسرى «عذاب عظيم».

فقوله:«عذاب عظيم» يعرب عن عظم المعصية التي اقترفوها حتّى استحقوا بها العذاب العظيم.

أفيمكن وصف من أراد عرض الدنيا مكان الآخرة واستحقّ مس عذاب عظيم بأنّه ذو ملكة نفسانية تصده عن اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر، كلاّ، ولا.


1 . الأنفال:67ـ 69.
2 . الأنفال:67.


(544)

8 . الفرار من الزحف

لقد دارت الدوائر على المسلمين يوم أُحد، لأنّهم عصوا أمر الرسول وتركوا مواقعهم على الجبل طمعاً في الغنائم فأصابهم ما أصابهم من الهزيمة التي ذكرتها كتب السيرة و التاريخ على وجه مبسوط. وبالتالي تركوا النبيّـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في ساحة الحرب وليس معه إلاّ عدد قليل من الصحابة، ولم تنفع معهم دعواتهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالعودة إلى ساحة القتال ونصرته، فقد خذلوه في تلك الساعات الرهيبة، وأخذوا يلتجئون إلى الجبال حذراً من العدو، ويتحدّث سبحانه تبارك وتعالى عن تلك الهزيمة النكراء بقوله: «إِذْ تُصْعِدونَ وَلا تَلوُونَ عَلى أَحَد وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ في أُخراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمّاً بِغَمّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللّه خَبيرٌ بِما تَعْمَلُون».(1)

فالخطاب موجّه للذين انهزموا يوم أُحد، وهو يصف خوفهم من المشركين وفرارهم يوم الزحف، غير ملتفتين إلى أحد، ولا مستجيبين لدعوة الرسول، حين كان يناديهم من ورائهم ويقول: هلم إليَّ عباد اللّه أنا رسول اللّه... ومع ذلك لم يُجبه أحد من المولّين.

والآية تصف تفرقهم وتولّيهم على طوائف أُولاهم بعيدة عنه، وأُخراهم قريبة، والرسول يدعوهم ولا يجيبه أحد لا أوّلهم ولا آخرهم، فتركوا النبيّ بين جموع المشركين غير مكترثين بما يصيبه من القتل أو الأسر أو من الجراح.

نعم كان هذا وصف طوائف منهم و كانت هناك طائفة أُخرى، التفت حول النبي ودفعت عنه شرّ الأعداء، وهم الذين أُشير إليهم بقوله سبحانه:


1 . آل عمران:153.


(545)

«وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكرين».(1)

ثمّ إنّه سبحانه يصرح بتولّيهم وفرارهم عن الجهاد وينسب زلّتهم إلى الشيطان ويقول: «إِنّ الّذين تَوَلَّوا مِنْكُمْ يَومَ التَّقى الجَمْعَانِ إِنّما استَزَلَّهُمُ الشَّيطانُ ببعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفى اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَحيم».(2) وليس هؤلاء من أصحاب النفاق (لأنّ المنافق لا يُغفر له ولا يعفى عنه) بل من الصحابة العدول!

9. نسبة الغرور إلى اللّه ورسوله

إنّ غزوة الأحزاب من المغازي المعروفة في الإسلام، حيث اتحد المشركون واليهود للانقضاض على الإسلام، فحاصروا المدينة وهم عشرة آلاف مدجّجين بالسلاح، وحفر المسلمون خندقاً حول المدينة لمنع العدو من اقتحامها وقد طال الحصار نحو شهر.

وفي هذه الغزوة امتحِن أصحابُ النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وزلزلوا زلزالاً عظيماً ، وتبيّن الثابت من المستزلّ، وانقسم أصحابه إلى قسمين:

1. المؤمنون وشعارهم «هذا ما وعدنا اللّهُ ورسولُهُ وصدق اللّهُ ورسولُهُ وما زادهم إلاّ إيماناً وتسليماً».(3)

2. المنافقون والذين في قلوبهم مرض وشعارهم:«ما وعدنا اللّه ورسوله إلاّ غروراً».(4)

فضعفاء الإيمان من المؤمنين كانوا يظنون باللّه انّه وعدهم وعداً غروراً، فهل


1 . آل عمران:144.
2 . آل عمران:155 .
3 . الأحزاب:22.
4 . الأحزاب:12.


(546)

يصحّ وصف هؤلاء بالعدالة والتزكية؟! وهم ـ طبعاً ـ غير المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ويدلّ على ذلك، عطف «والّذينَ في قُلُوبهم مرضٌ» على المنافقين، قال سبحانه: «وَإِذ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ».

ومن يمعن النظر في الآيات الواردة حول غزوة الأحزاب يعرف مدى صمود كثيرمن الصحابة أمام ذلك السيل الجارف، فإنّ كثيراً منهم كانوا يستأذنون النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للرجوع إلى المدينة بحجة انّ بيوتهم عورة ويقول سبحانه: «وما هي بِعَورة ان يُريدون إِلاّ فراراً ولقَد عاهدوا اللّه من قَبل لا يولون الأَدبار وكانَ عَهْد اللّه مسؤولاً».(1)

10. المنافقون المندسّون بين الصحابة

لقد شاع النفاق بين الصحابة منذ نزول النبي، بالمدينة، وقد ركّز القرآن على عصبة المنافقين وصفاتهم، وفضح نواياهم، وندّد بهم في السور التالية: البقرة، آل عمران، المائدة، التوبة، العنكبوت، الأحزاب، محمد، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، والمنافقون.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الإسلامي، بين معروف عرف بسمة النفاق ووصمة الكذب، وغير معروف بذلك، ولأنّه مقنّع بقناع الإيمان والحب للنبي، فلو كان المنافقون جماعة قليلة غير مؤثرة لما رأيت هذه العناية البالغة في القرآن الكريم.

وهناك ثلة من المحقّقين ألّفوا كتباً ورسائل حول النفاق والمنافقين، وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليهم فبلغ مقداراً يقرب من عشر القرآن الكريم.


1 . الأحزاب:13.


(547)

ومع ذلك فهل يمكن عد جميع من صحب النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عدولاً؟!

نعم المنافقون ليسوا من الصحابة ولكنّهم كانوا مندسّين فيهم، وعند ذلك فكثيراً ما يشتبه الصحابي الصادق بالمنافق، ولا يتميّز المنافق عن المؤمن، حتّى أنّ النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ربما كان لا يعرفهم، يقول سبحانه: «وَمِنْ أَهل المَدينة مردوا عَلى النِّفاق لا تعلمهم نَحْنُ نعلَمهم».(1)

فهذا يجر الباحث ـ الذي يريد الإفتاء على ضوء ما قاله الصحابة ـ التفتيش عن حال الصحابي حتّى يعرف المنافق عن غيره، فلو اشتبه الحال فلا يكون قوله ولا روايته حجّة.

هذا بعض قضاء القرآن في حق الصحابة، ولسنا بصدد الاستقصاء بأنّ أصناف الصحابة المجانبين للعدالة، أكثر(2) ممّا ذكرنا لكن التفصيل لا يناسب وضع الكتاب.


1 . التوبة:101.
2 . كالسّماعين ( التوبة:45ـ47،) خالطو العمل الصالح بغيره( التوبة:102)، المسلمون غير المؤمنين( الحجرات:14)، المؤلفة قلوبهم (التوبة:60).