الخميس 27 ربيع الاوّل 1431 - Thu 11 March 2010   عربي | فارسي
البحث في المكتبة البحث في المقالات




(470)

الأمر السادس

النصوص الدينية
وتنصيب عليّ ـ عليه السَّلام ـ للإمامة

قد تبيّن بما قدّمناه من الأبحاث على ضوء الكتاب والسنّة ومن خلال مطالعة تاريخ الإسلام والمحاسبة في الأُمور الاجتماعية والسياسيّة، وفي ظلّ هداية العقل الصريح، انّ خليفة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإمام المسلمين يجب أن يكون منصوباً من جانب الرسول بإذن من اللّه سبحانه، وعندئذ يلزمنا الرجوع إلى الكتاب والسنّة لنقف على ذلك القائد المنصوب فنقول:

إنّ من أحاط بسيرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يجد علي بن أبي طالب وزير رسول اللّه في أمره وولي عهده وصاحب الأمر من بعده، ومن وقف على أقوال النبي وأفعاله في حلّه وترحاله، يجد نصوصه في ذلك متواترة، كما أنّ هناك آيات من الكتاب العزيز تهدينا إلى ذلك، ونحن نكتفي في هذا المجال بذكر آية الولاية من الكتاب ونتبعها بحديثي المنزلة والغدير:

1. آية الولاية

قال سبحانه:


(471)

«إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ» .(1)

وقبل الاستدلال بالآية نذكر شأن نزولها، روى المفسرون عن أنس بن مالك وغيره انّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: من يقرض المليء الوفيّ، وعليّ راكع يشيربيده للسائل: إخلع الخاتم من يدي، فما خرج أحد من المسجد حتى نزل جبرئيل بـ:

«إِنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ» .(2)

وإليك توضيح الاستدلال:

إنّ المستفاد من الآية انّ هناك أولياء ثلاثة وهم: اللّه تعالى، ورسوله، والمؤمنون الموصوفون بالأوصاف الثلاثة، وانّ غير هؤلاء من المؤمنين هم مولّى عليهم، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بتفسير الولي بالزعيم والمتصرّف في شؤون المولّـى عليه، إذ هذه الولاية تحتاج إلى دليل خاص، ولا يكفي الإيمان في ثبوتها، بخلاف ولاية المحبّة والنصرة، إذ هما من فروع الإيمان، فكلّ مؤمن محبّ لأخيه المؤمن وناصر له .


1 . المائدة:55.
2 . رواه الطبري في تفسيره:6/186; والجصاص في أحكام القرآن:2/446; والسيوطي في الدر المنثور:2/293; وغيرهم. وأنشأ حسّان بن ثابت في ذلك أبياته المعروفة ،وهي:
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي     وكلّ بطيء في الهدى ومسارع
أيذهب مدحي والمحبين ضائعاً      وما المدح في ذات الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع      فدتك نفوس القوم يا خير راكع
بخاتمك الميمون يا خير سيد      ويا خير شار ثم يا خير بائع
فأنزل فيك اللّه خير ولاية      وبيَّنها في محكمات الشرائع


(472)

هذا مضافاً إلى الاختصاص المستفاد من كلمة إنّما وأحاديث شأن النزول الواردة في الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ، فهذه الوجوه الثلاثة تجعل الآية كالنصّ في الدلالة على ما يرتئيه الإمامية في مسألة الإمامة.

فإن قلت: إذا كان المراد من قوله: «الَّذِينَ آمَنُوا» هو الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ فلماذا جيء بلفظ الجماعة؟

قلت: جيء بذلك ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبِّه على أنّ سجيَّة المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّوالإحسان وتفقّد الفقراء حتى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة، لم يؤخّروه إلى الفراغ منها.(1)

وهناك وجه آخر أشار إليه الشيخ الطبرسي، وهو انّ النكتة في إطلاق لفظ الجمع على أمير المؤمنين، تفخيمه وتعظيمه، وذلك انّ أهل اللغة يعبّرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التعظيم، وذلك أشهر في كلامهم من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه.(2)

ربما يقال إنّ المراد من الوليّ في الآية ليس هو المتصرف، بل المراد الناصر والمحبّ بشهادة ما قبلها وما بعدها، حيث نهى اللّه المؤمنين أن يتّخذوا اليهود والنصارى أولياء، وليس المراد منه إلاّ النصرة والمحبة، فلو فُسّرت في الآية بالمتصرّف يلزم التفكيك.(3)

والجواب عنه: انّ السّياق إنّما يكون حجّة لو لم يقم دليل على خلافه، وذلك


1 . الكشاف:1/649، دار الكتاب العربي، بيروت.
2 . مجمع البيان:3ـ4/211.
3 . الإشكال للرازي في: مفاتيح الغيب: 12/28.


(473)

لعدم الوثوق حينئذبنزول الآية في ذلك السياق، إذ لم يكن ترتيب الكتاب العزيز في الجمع موافقاً لترتيبه في النزول بإجماع الأُمّة ، وفي التنزيل كثير من الآيات الواردة على خلاف ما يعطيه السياق كآية التطهير المنتظمة في سياق النساء مع ثبوت النص على اختصاصها بالخمسة أهل الكساء.(1)

2. حديث «المنزلة»

روى أهل السير والتاريخ انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خلّف عليّ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ على أهله في المدينة عند توجّهه إلى تبوك، فأرجف به المنافقون، وقالوا ما خلّفه إلاّ استثقالاً له وتخوّفاً منه، فضاق صدره بذلك، فأخذ سلاحه وأتى النبيّ وأبلغه مقالتهم، فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

«كذبوا، ولكنّي خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع واخلف في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟».(2)

إضافة كلمة«منزلة» ـ وهي اسم جنس ـ إلى هارون يقتضي العموم، فالرواية تدلّ على أنّ كلّ مقام ومنصب كان ثابتاً لهارون فهو ثابت لعليّ، إلاّ ما استثني وهو النبوّة، بل الاستثناء أيضاً قرينة على العموم ولولاه لما كان وجه للاستثناء، وكون المورد هو الاستخلاف على الأهل لا يدلّ على الاختصاص، فإنّ المورد لا يكون


1 . المراجعات: 167، الرقم 44.
2 . السيرة النبوية لابن هشام:2/519ـ 520. وقد نقله من أصحاب الصحاح، البخاري في غزوة تبوك:6/3، ط 1314; ومسلم في فضائل علي:7/120; وابن ماجة في فضائل أصحاب النبي:1/55; والإمام أحمد في غير مورد من مسنده، لاحظ: 1/173، 175، 177، 179، 182، 185، 230; وغيرهم من الأثبات الحفاظ.


(474)

مخصِّصاً، كما لو رأيت الجنب يمسّ آية الكرسي مثلاً فقلت له لا يمسَّن آيات القرآن محدث، يكون دليلاً على حرمة مسّ القرآن على الجنب مطلقاً.

وأمّا منزلة هارون من موسى فيكفي في بيانها قوله سبحانه حكاية عن موسى:

«وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْري * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْري» .(1)

وقد أُوتي موسى جميع ذلك كما يقول سبحانه:

«قالَ قَدْأُوتيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى» .(2)

وقد استخلف موسى أخيه هارون عند ذهابه إلى ميقات ربّه مع جماعة من قومه، قال سبحانه:

«وَقالَ مُوسى لأَخيهِ هارُونَ اخْلُفْني فِي قَومِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدين».(3)

وهذا الاستخلاف وإن كان في قضية خاصّة ووقت خاص، لكن اللفظ مطلق والمورد لا يكون مخصّصاً. و من هنا لو فرض غيبة أُخرى لموسى من قومه مع عدم تنصيصه على استخلاف هارون كان خليفة له بلا إشكال. وهارون و إن كان شريكاً لموسى في النبوّة إلاّ أنّ الرئاسة كانت مخصوصة لموسى، فموسى كان وليّاً على هارون وعلى غيره، وهذا دليل على أنّ منزلة الإمامة منفصلة من النبوة، وإنّما


1 . طه:29ـ32.
2 . طه:36.
3 . الأعراف:142.


(475)

اجتمع الأمران لأنبياء مخصوصين، لأنّ هارون لو كان له القيام بأمر الأُمّة من حيث كان نبياً لما احتاج فيه إلى استخلاف موسى إيّاه وإقامته مقامه.(1)

3.حديث «الغدير»

حديث الغدير، ممّا تواترت به السنّة النبويّة وتواصلت حلقات أسانيده منذ عهد الصحابة والتابعين إلى يومنا الحاضر، رواه من الصحابة(110) صحابياً ومن التابعين(84) تابعياً، وقد رواه العلماء والمحدّثون في القرون المتلاحقة، وقد أغنانا المؤلّفون في الغدير عن إراءة مصادره ومراجعه، وكفاك في ذلك كتب لمّة كبيرة من أعلام الطائفة، منهم: العلاّمة السيد هاشم البحراني (المتوفّـى 1107هـ) مؤلّف «غاية المرام»، والسيد مير حامد حسين الهندي (المتوفّـى 1306هـ) مؤلّف «العبقات»، والعلاّمة الأميني (المتوفّـى 1390هـ) مؤلف «الغدير»، والسيد شرف الدين العاملي (المتوفّـى 1381هـ) مؤلّف «المراجعات».

ومجمل الحديث هو انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أذَّن في الناس بالخروج إلى الحجّ في السنة العاشرة من الهجرة، وأقلّ ما قيل انّه خرج معه تسعون ألفاً، فلمّا قضى مناسكه وانصرف راجعاً إلى المدينة ووصل إلى غدير «خم»، وذلك يوم الخميس، الثامن عشر من ذي الحجّة ، نزل جبرئيل الأمين عن اللّه تعالى بقوله:

«يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» .(2)

فأمر رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يردّ من تقدّم، ويحبس من تأخّر حتى إذا أخذ القوم منازلهم نودي بالصلاة، صلاة الظهر، فصلّـى بالناس، ثمّ قام خطيباً وسط القوم


1 . مجمع البيان:3ـ4/473.
2 . المائدة:67.


(476)

على أقتاب الإبل، فقال: «الحمد للّه ونستعينه ونؤمن ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا. الذي لا هادي لمن أضلّ ولا مضلّ لمن هدى، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً عبده ورسوله.

أمّا بعد; أيّها الناس قد نبّأني اللطيف الخبير: أنّه لم يعمّر نبيّ إلاّ مثل نصف عمر الذي قبله، وإنّي أُوشك أن أدعى فأُجيب، وإنّي مسؤول، وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟».

قالوا: نشهد إنّك قد بلّغت ونصحت وجهدت فجزاك اللّه خيراً.

قال: «ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حق، وناره حق، وأنّ الموت حق، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ اللّه يبعث من في القبور؟».

قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: «اللّهمّ اشهد ـ ثمّ قال: ـ أيّها الناس ألا تسمعون؟» قالوا: نعم.

قال: «فإنّي فرط على الحوض، وأنتم واردون على الحوض، وإنّ عرضه ما بين صنعاء وبصرى، فيه أقداح عدد النجوم من فضة، فانظروا كيف تخلّفوني في الثقلين».

فنادى مناد : وما الثقلان يا رسول اللّه؟

قال:«الثقل الأكبر: كتاب اللّه، طرف بيد اللّه عزّ وجلّ وطرف بأيديكم، فتمسّكوا به لا تضلّوا; والآخر الأصغر: عترتي، وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فسألت ذلك لهما ربّي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا».


(477)

ثمّ أخذ بيد علي فرفعها حتّى رئي بياض آباطهما وعرفه القوم أجمعون، فقال: «أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: اللّه ورسوله أعلم.

قال: «إنّ اللّه مولاي و أنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه ـ يقولها ثلاث مرّات، و في لفظ أحمد إمام الحنابلة: أربع مرّات، ثمّ قال: ـ اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب». ثمّ لم يتفرّقوا حتى نزل أمين وحي اللّه بقوله: «اليَوم أَكملت لَكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي»الآية. فقال رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اللّه أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي، والولاية لعليّ من بعدي».

ثمّ طفق القوم يهنّئون أمير المؤمنين ـ صلوات اللّه عليه ـ وممّن هنّأه ـ في مقدّم الصحابة ـ الشيخان: أبو بكر وعمر، كلّ يقول: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي و مولى كلّ مؤمن ومؤمنة . قال ابن عبّاس: وجبت ـ واللّه ـ في أعناق القوم.

فقال حسّان: إئذن لي يا رسول اللّه أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهنّ، فقال: «قل على بركة اللّه» فقام حسّان ، فقال: يا معشر مشيخة قريش أتبعها قولي بشهادة من رسول اللّه في الولاية ماضية، ثمّ قال:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم      بخمّ واسمع بالرسول منادياً


(478)

وقد جاءه جبريل عن أمر ربّه      بانّك معصوم فلا تك وانيا
وبلّغهم ما أنزل اللّه ربّهم      إليك ولا تخش هناك الأعاديا
فقام به إذ ذاك رافع كفّه      بكفّ عليّ معلن الصوت عاليا
فقال فمن مولاكم ووليّكم      فقالوا ولم يبدوا هناك تعاميا
إلهك مولانا وأنت وليّنا      ولن تجدن فينا لك اليوم عاصياً
فقال له قم يا عليّ فإنّني      رضيتك من بعدي إماماً وهادياً
فمن كنت مولاه فهذا وليّه      فكونوا له أنصار صدق موالياً
هناك دعا اللّهم وال وليّه      وكن للذي عادى عليّاً معادياً
يا ربّ أُنصر ناصريه لنصرهم      إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا(1)


1 . الغدير:1/34ـ 36 و ج2، ص 73. وقد جاءت مصادر الخطبة في ثنايا الكتاب، بما لا يسعنا ذكرها في المقام


(479)

دلالة الحديث

إنّ دلالة الحديث على إمامة مولانا أمير المؤمنينـ عليه السَّلام ـ دلالة واضحة، لم يشكّ فيها أيّ عربي صميم عصر نزول الحديث وبعده إلى قرون، ولم يفهموا من لفظة المولى إلاّ الإمامة.

إنّ هناك قرائن حالية ومقالية تجعل الحديث كالنّصّ في أنّ المراد من المولى هو الأولى بالتصرّف في شؤون المؤمنين على غرار ما كان للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الولاية.

أمّا القرينة الحالية (المقامية) فيكفينا في بيانها ما ذكره التفتازاني بقوله:

«المولى قد يراد به المعتِق والمعتَق والحليف، والجار، وابن العمّ، والناصر، والأولى بالتصرّف، وينبغي أن يكون المراد به في الحديث هو هذا المعنى، ليطابق صدر الحديث، ولأنّه لا وجه للخمسة الأُول وهو ظاهر، ولا للسادس لظهوره، وعدم احتياجه إلى البيان وجمع الناس لأجله».

ثمّ قال:

«لا خفاء في أنّ الولاية بالناس، والتولّي والمالكية لتدبير أمرهم والتصرّف فيهم بمنزلة النبي، وهو معنى الإمامة».(1)

وأمّا القرائن المقالية فكثيرة نشير إلى بعضها:

القرينة الأُولى: صدر الحديث وهو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

«ألست أولى بكم من أنفسكم».


1 . شرح المقاصد:5/273ـ274.ولكنّه رمى الحديث بعدم التواتر فلم يأخذ به في المقام حيث إنّ مسألة الإمامة ليست من الفروع عند الإماميّة.
أقول: لكنّها من مسائل الفروع عندهم، فعلى فرض صحّة الرواية تكون حجّة وإن لم تكن متواترة عنده.


(480)

أو ما يؤدّي مؤدّاه من ألفاظ متقاربة، ثمّ فرَّع على ذلك قوله:

«فمـن كنـت مـولاه فعليّ مـولاه» وقد روى هذا الصدر من حفّاظ أهل السنّة ما يربو على أربعة وستين عالماً.(1)

القرينة الثانية: نعي النبيّ نفسه إلى الناس حيث إنّه يعرب عن أنّه سوف يرحل من بين أظهرهم فيحصل بعده فراغ هائل، وانّه يُسدّ بتنصيب عليـ عليه السَّلام ـ في مقام الولاية.(2)

القرينة الثالثة: قولهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «يا أيّها الناس بم تشهدون؟» قالوا: نشهد أن لاإله إلاّ اللّه، قال:« ثمّ مه؟» قالوا: وأنّ محمّداً عبده ورسوله. قال: «فمن وليكم؟» قالوا: اللّه ورسوله مولانا.

ثمّ ضرب بيده إلى عضد علي، فأقامه، فقال: «من يكن اللّه ورسوله مولاه فانّ هذا مولاه...».

هذا لفظ جرير، وقريب منه لفظ أمير المؤمنينـ عليه السَّلام ـ ولفظ زيد بن أرقم وعامر بن ليلى، وفي لفظ حذيفة بن أسيد بسند صحيح:

«ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً عبده ورسوله؟...ـ إلى أن قالـ:

قالوا: بلى نشهد بذلك.

قال:«اللّهم اشهد» ـ ثمّ قال:ـ يا أيّها الناس إنّ اللّه مولاي و أنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا مولاه، يعني


1 . لاحظ نقولهم في كتاب الغدير، ج1، موزَّعين حسب قرونهم.
2 . المصدر السابق: 370.


(481)

علياً».(1)

القرينة الرابعة: قولهـ عليه السَّلام ـ عقيب لفظ الحديث:«اللّه أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي،والولاية لعلي بن أبي طالب».

وفي لفظ شيخ الإسلام الحمّوئي(2): «اللّه أكبر، تمام نبوتي وتمام دين اللّه ولاية عليّ بعدي».

فأي معنى تراه يكمل به الدين، ويتمّ النعمة، ويُرضي الربَّ في عداد الرسالة غير الإمامة التي بها تمام أمرها وكمال نشرها وتوطيد دعائمها؟! إذن فالناهض بذلك العبء المقدّس أولى الناس منهم بأنفسهم.

القرينة الخامسة: قولهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قبل بيان الولاية:«كأنّي دُعيتُ فأجبتُ»، أو: «أنّه يوشك أن أُدعى فأُجيب»، أو «ألا وإنّي أُوشك أن أُفارقكم»، أو: «يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب».

وهو يُعطينا علماً بأنّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان قد بقي من تبليغه مهمّة يُحاذر أن يدركه الأجل قبل الإشادة بها،ولولا الهتاف بها بقي ما بلّغه مُخدَجاً، ولم يذكرـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد هذا الاهتمام إلاّ ولاية أمير المؤمنين وولاية عترته الطاهرة الذين يَقْدِمهم هو ـ صلوات اللّه عليه ـ كما في نقل مسلم(3)، فهل من الجائز أن تكون تلك المهمّة المنطبقة على هذه الولاية إلاّ معنى الإمامة المصرّح بها في غير واحد من الصحاح؟ وهل صاحبها إلاّ أولى الناس بأنفسهم؟....


1 . الغدير، ج1، ص 656.
2 . فرائد السمطين:1/315، باب 58، ح250.
3 . صحيح مسلم:5/25، ح36، كاب فضائل الصحابة.


(482)

القرينة السادسة: قولهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد بيان الولاية: «فليبلّغ الشاهد الغائب»، أوَ تحسب أنّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يؤكّد هذا التأكيد في تبليغ الغائبين أمراً علمه كلُّ فرد منهم بالكتاب والسنّة من الموالاة والمحبّة والنصرة بين أفراد المسلمين مشفوعاً بذلك الاهتمام والحرص على بيانه؟ لا أحسب أنّ ضؤولة الرأي يُسفُّ بك إلى هذه الخطّة، لكنّك ولا شك تقول: إنّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يُرد إلاّ مهمّة لم تُتَح الفرص لتبليغها ولا عرفته الجماهير ممّن لم يشهدوا ذلك المجتمع،وما هي إلاّ مهمّة الإمامة التي بها كمال الدين، وتمام النعمة، ورضا الربّ،وما فهم الملأ الحضور من لفظهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلاّ تلك، ولم يؤثر لهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لفظ آخر في ذلك المشهد يليق أن يكون أمره بالتبليغ له، وتلك المهمّة لا تساوق إلاّ معنى الأولى من معاني المولى.(1)

الغدير في الكتاب الكريم

شاء سبحانه أن يبقى حديث الغدير غضّاً طرياً لا يبليه الحدثان، فأنزل حوله آيات ناصعة البيان، نقتصر على ذكر آيتين منها:

1. آية البلاغ

قال سبحانه: «يا أَيُّها الرَّسُول بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغتَ رِسالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاس».(2)

صرّح غير واحد من الحفاظ والمحدّثين بنزول الآية يوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة حجة الوداع لمّا بلغ النبي الأعظم غدير خُمّ فأتاه جبرئيل فقال: يا


1 . الغدير:1/656ـ 658.
2 . المائدة:67.


(483)

محمد إنّ اللّه يقرئك السلام ويقول: «يا أَيُّها الرَّسُول بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلغتَ رِسالته وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاس».

1. قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية «يا أَيُّها الرَّسُول بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك» على رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يوم غدير خم، في علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ .(1)

2. أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «يا أَيُّها الرَّسُول بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك» أنّ علياً مولى المؤمنين« وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلغتَ رِسالته وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاس».(2)

3. أخرج أبو إسحاق الثعلبي النيسابوريّ بسنده عن ابن عباس: في قوله تعالى: «يا أَيُّها الرَّسُول بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك...». الآية، قال: نزلت في عليّ، أُمر النبيّـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يُبلّغ فيه، فأخذ رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بيد علي، فقال: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه».(3)

4. روى أبو الحسن الواحديّ النيسابوري بسنده عن أبي سعيد الخُدريّ قال: نزلت هذه الآية يوم غدير خُمّ في عليّ بن أبي طالبـ عليه السَّلام ـ .(4)

5. روى الحافظ الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل وقواعد التفضيل والتأويل «بإسناده عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس وجابر الأنصاري قالا: أمر اللّه تعالى محمّداًـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن ينصب عليّاً للناس، فيخبرهم بولايته فتخوّف النبي


1 . الدر المنثور:3/117.
2 . الدر المنثور:3/117.
3 . الكشف والبيان:4/92، تفسير سورة المائدة، آية 67.
4 . أسباب النزول:135.


(484)

أن يقولوا: حابى ابن عمّه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى اللّه«يا أَيُّها الرَّسُول بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك...»الآية، فقام رسول اللّه بولايته يوم غدير خُمّ.(1)

6. قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره عند ذكر الوجوه حول الآية: العاشر: نزلت الآية في فضل عليّ ولمّا نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن ومؤمنة.

وهو قول ابن عبّاس، والبراء بن عازب، ومحمد بن عليّ.(2)

إلى غير ذلك من الحفّاظ والمحدثين والمفسرين الذين نقلوا أنّ سبب نزول الآية كان حول حديث الغدير.

2. آية إكمال الدين

قال سبحانه:«اليَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً».(3)

قد نقل غير واحد من علماء التفسير وأئمّة الحديث نزول الآية يوم الغدير.

يؤيد ذلك ما نقله الرازي وقال: قال أصحاب الآثار لمّا نزلت هذه الآية على النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يعمّر بعد نزولها إلاّ أحداً وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً، ولم يحصل في الشريعة زيادة ولا نسخ ولا تبديل، وكان ذلك جارياً مجرى إخبار النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن قرب وفاته.(4)


1 . مجمع البيان:3/344.
2 . التفسير الكبير:12/49.
3 . المائدة:3.
4 . التفسير الكبير:11/136.


(485)

هذا من جانب و من جانب آخر ذكر المؤرِّخون من أهل السنّة، كالبخاري في صحيحه(1) أنّ وفاتهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الثاني عشر من ربيع الأوّل.

فمن يوم الغدير الذي كان في الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام إلى الثاني عشر من ربيع الأوّل يكون بضعاً وثمانين يوماً.

وأمّا المحدّثون فقد نقلوا أنّ سبب نزول الآية في غير واحد من كتبهم، نظراء:

1. أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: لمّا نصب رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عليّاً يوم غدير خم فنادى له بالولاية، هبط جبريل عليه بهذه الآية: «اليَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُم».

2. أخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن أبي هريرة قال: لمّا كان يوم غدير خم وهو يوم ثماني عشر من ذي الحجة، قال النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» فأنزل اللّه:«اليَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُم».(2)

3. وأخرج أيضاً الحميدي وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان البيهقي في سننه عن طارق بن شهاب قال: «قالت اليهود لعمر: إنّكم تقرأون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً قال: وأي آية؟ قالوا: «اليَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي» قال عمر: واللّه إنّي لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيه والساعة التي نزلت فيها. نزلت على رسول اللّه عشية عرفة في يوم الجمعة.(3)


1 . البخاري:4، رقم الحديث 4145.
2 . الدر المنثور:6/19.
3 . نفس المصدر، ص 17.


(486)

ما نسب إلى الخليفة أنّها نزلت في عشية عرفة يخالف ما نقله الرازي عن أصحاب الآثار أنّه لمّا نزلت هذه الآية على النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يعمّر بعد نزولها إلاّ أحداً وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: مكث النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد ما نزلت هذه الآية إحدى وثمانين ليلة.(1)

ووجه المخالفة أنّ النبي حسب ما اتّفق عليه الجمهور توفّـي في الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل، فإذا افترضنا انّ الآية تنزلت يوم عرفة يبقى هناك عشرين يوماً، فإذا أُضيف إليه ـ أعني: محرم الحرام وصفر المظفر واثنا عشر يوماً من شهر ربيع الأوّل ـ يكون الحد الفاصل بين نزول الآية ويوم وفاة النبي 92 يوماً ونوضحه كالتالي:

من شهر ذي الحجة الحرام 20 يوماً

من شهري محرم وصفر 60 يوماً

من شهر ربيع الأوّل 12 يوماً

المجموع 92 يوماً

فلو افترضنا كون الشهرين 29 يوماً يكون الحدّ الفاصل90 يوماً مع أنّ المذكور عن أصحاب الآثار انّ الرسول لم يعمّر إلاّ 81 ليلة. بخلاف ما إذا اخترنا الروايات الدالة على أنّها نزلت في الثامن عشر من شهر ذي الحجة حيث يكون الحدّ الفاصل نحو إحدى وثمانين أو قريباً منه.


1 . الدر المنثور:6/20.


(487)

لماذا أعرض الصحابة عن مدلول حديث الغدير؟

أقوى مستمسك لمن يريد التخلّص من الأخذ بالنصّ المتواتر الجليّ في المقام، هو انّه لو كان الأمر كذلك فلماذا لم تأخذه الصحابة مقياساً بعد النبي؟ وليس من الصحيح إجماع الصحابة وجمهور الأُمّة على ردّ ما بلَّغه النبيّ في ذلك المحتشد العظيم.

والجواب عنه انّ من رجع إلى تاريخ الصحابة يرى لهذه الأُمور نظائر كثيرة في حياتهم السياسية، وليكن ترك العمل بحديث الغدير من هذا القبيل، منها «رزيّة يوم الخميس» رواها الشيخان وغيرهما(1)، ومنها سريّة أُسامة(2)، و منها صلح الحديبية واعتراض لفيف من الصحابة(3)، ولسنا بصدد استقصاء مخالفات القوم لنصوص النبي وتعليماته، فإنّ المخالفة لا تقتصر على ما ذكر، بل تربو على نيّف وسبعين مورداً، استقصاها بعض الأعلام.(4)

وعلى ضوء ذلك لا يكون ترك العمل بحديث الغدير، من أكثريّة الصحابة دليلاً على عدم تواتره، أو عدم تماميّة دلالته.


1 . أخرجه البخاري في غير مورد لاحظ ج1، باب كتابة العلم، الحديث 3، وج4/70 وج6/10 من النسخة المطبوعة سنة 1314هـ; و الإمام أحمد في مسنده :1/355.
2 . طبقات ابن سعد:2/189ـ192; الملل والنحل للشهرستاني:1/23.
3 . صحيح البخاري: 2/81، كتاب الشروط; صحيح مسلم:5/175، باب صلح الحديبية ; والطبقات الكبرى لابن سعد:2/114.
4 . لاحظ كتاب النص والاجتهاد للسيد الإمام شرف الدين.


(488)

الأمر السابع

السنّة النبويّة
والأئمّة الاثنا عشر

إنّ النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكتف بتنصيب علي ـ عليه السَّلام ـ منصب الإمامة و الخلافة، كما لم يكتف بإرجاع الأُمّة الإسلامية إلى أهل بيته وعترته الطاهرة، ولم يقتصر على تشبيههم بسفينة نوح، بل قام ببيان عدد الأئمّة الّذين يتولّون الخلافة بعده، واحداً بعد واحد، حتّى لا يبقى لمرتاب ريب، فقد روي في الصحاح والمسانيد بطرق مختلفة عن جابر بن سمرة انّ الخلفاء بعد النبيّ اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش، وإليك ما ورد في توصيفهم من الخصوصيات:

1. لا يزال الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة.

2. لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة.

3. لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة.

4. لا يزال الدين ظاهراً على من ناوأه حتى يمضي من أُمّتي اثنا عشر خليفة.

5. لا يزال هذا الأمر صالحاً حتى يكون اثنا عشر أميراً.


(489)

6. لا يزال الناس بخير إلى اثني عشر خليفة.(1)

وقد اختلفت كلمة شرّاح الحديث في تعيين هؤلاء الأئمّة، ولا تجد بينها كلمة تشفي العليل، وتروي الغليل، إلاّ ما نقله الشيخ سليمان البلخي القندوزي الحنفيّ في ينابيعه عن بعض المحقّقين، قال:

«إنّ الأحاديث الدالّة على كون الخلفاء بعده اثني عشر شخصاً، قد اشتهرت من طرق كثيرة، ولا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من الصحابة، لقلّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمل على الملوك الأُمويّين لزيادتهم على الاثني عشر ولظلمهم الفاحش إلاّ عمر بن عبد العزيز... ولا يمكن أن يحمل على الملوك العباسيين لزيادتهم على العدد المذكور ولقلّة رعايتهم قوله سبحانه:

«قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المَودَّةَ فِي الْقُرْبى» .(2)

فلابد من أن يحمل على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته، لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجلّهم، وأورعهم ، وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند اللّه، وكانت علومهم عن آبائهم متصلة بجدّهم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبالوراثة اللّدنية، كذا عرّفهم أهل العلم و التحقيق، وأهل الكشف والتوفيق.

ويؤيّد هذا المعنى ويرجّحه حديث الثقلين و الأحاديث المتكثّرة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها».(3)


1 . راجع صحيح البخاري:9/81، باب الاستخلاف; صحيح مسلم:6/3، كتاب الأمارة، باب الناس تبع لقريش; مسند أحمد:5/86ـ108; مستدرك الحاكم: 3/618.
2 . الشورى:23.
3 . ينابيع المودَّة:446، ط استنبول، عام 1302.


(490)

أقول: الإنسان الحرّ الفارغ عن كلّ رأيّ مسبق، لو أمعن النظر في هذه الأحاديث وأمعن في تاريخ الأئمّة الاثني عشر من ولد الرسول، يقف على أنّ هذه الأحاديث لا تروم غيرهم، فإنّ بعضها يدلّ على أنّ الإسلام لا ينقرض ولا ينقضي حتّى يمضي في المسلمين اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش; وبعضها يدلّ على أنّ عزَّة الإسلام إنّما تكون إلى اثني عشر خليفة; وبعضها يدلّ على أنّ الدين قائم إلى قيام السّاعة وإلى ظهور اثني عشر خليفة، وغير ذلك من العناوين.

وهذه الخصوصيات لا توجد في الأُمّة الإسلامية إلاّ في الأئمّة الاثني عشر المعروفين عند الفريقين(1)، خصوصاً ما يدلّ على أنّ وجود الأئمّة مستمرّ إلى آخر الدهر ومن المعلوم انّ آخر الأئمّة هو المهديّ المنتظر الذي يعدّ ظهوره من أشراط الساعة.

ثمّ إنّه قد تضافرت النصوص في تنصيص الإمام السابق على الإمام اللاحق، فمن أراد الوقوف على هذه النصوص، فليرجع إلى الكتب المؤلّفة في هذا الموضوع.(2)


1 . وهم: علي بن أبي طالب، وابناه الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، وعلي بن الحسين السجاد، ومحمّد بن علي الباقر، وجعفر بن محمّد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمّد بن علي التقي، وعلي بن محمّد النقي، والحسن بن علي العسكري، وحجّة العصر المهدي المنتظر ـ صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ـ.
2 . لاحظ الكافي:ج1، كتاب الحجّة; كفاية الأثر، لعلي بن محمد بن الحسن الخزاز القمي من علماء القرن الرابع; إثبات الهداة للشيخ الحرّ العاملي، وهو أجمع كتاب في هذا الموضوع.