(324)
1
نظرية المعتزلة
ذهبت المعتزلة إلى أنّ كلامه أصوات وحروف ليست قائمة بذاته تعالى، بل يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أو جبرئيل أو النبي، وقد صرّح بذلك القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة في القرن الخامس فقال: حقيقة الكلام، الحروف المنظومة، والأصوات المقطعة، وهذا كما يكون منعماً بنعمة توجد في غيره، ورازقاً برزق يوجد في غيره، فهكذا يكون متكلّماً بإيجاد الكلام في غيره، وليس من شرط الفاعل أن يحل عليه الفعل.(1)
والظاهر انّ كونه سبحانه متكلّماً بهذا المعنى لا خلاف فيه، إنّما الكلام في حصر تكلّمه في هذا المعنى، قال السيّد الشريف عميد الأشاعرة في القرن التاسع في شرح المواقف: «هذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره، بل نحن نقوله ونسمّيه كلاماً لفظياً ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى، ولكن نثبت أمراً وراء ذلك.(2)
ولكن يرد على هذه النظرية أنّها تفسر الكلام الذي يخاطب به سبحانه شخصاً من أوليائه، وأمّا إذا لم يكن هناك مخاطب خاص فلابدّ أن يكون لكلامه معنى آخر، إذ لا معنى للخطاب بالأصوات والألفاظ دون أن يكون هناك مخاطب إلاّ أن يكون كلامه سبحانه محصوراً في هذا القسم، وسيوافيك عدم صحّته.
1 . شرح الأُصول للقاضي عبدالجبار:528; شرح المواقف للسيد الشريف:495.
2 . شرح المواقف:1/77.
(325)
2
نظرية الحكماء
وهناك نظرية ثانية تفسر معنى كونه متكلّماً خصوصاً فيما إذا لم يكن هناك مخاطب خاص، وحاصل هذه النظرية هو ما يلي:
إنّ الكلام في أنظار عامة الناس هو الحروف والأصوات الصادرة من المتكلم، القائمة به، وهو يحصل من تموج الهواء واهتزازه بحيث إذا زالت الأمواج زال الكلام معه. ولكن الإنسان الاجتماعي يتوسع في إطلاقه، فيطلق الكلام على الخطبة المنقولة أو الشعر المرويّ عن شخص، ويقول: هذا كلام النبي أو خطبة الإمام عليـ عليه السَّلام ـ ، مع أنّ كلامهما قد زال بزوال الموجات والاهتزازات، وما هذا إلاّ من باب التوسع في الإطلاق ومشاهدة ترتّب الأثر على المروي والمنقول.
وعلى هذا فكلّ فعل من المتكلّم أفاد نفس الأثـر الذي يفيده كلامه من إبراز ما يكتنفه الفاعل في باطنه من المعاني والحقائق، تصحّ تسميته كلاماً من باب التوسع والتطوير.
والذي يقرب ذلك انّ المصباح وضع حينما وضع على مصداق بسيط لا يعدو الغصن المشتعل، ولكن لمّا كان أثره ـ و هو الإنارة ـ موجوداً في الجهاز الزيتي والغازي والكهربائي أُطلق على الجميع; فإذا صحت تلك التسمية وجاز ذلك التوسع في لفظ «المصباح»، يجوز في لفظ «الكلام»، فهو و إن وضع يوم وضع للأصوات والحروف المتتابعة الكاشفة عمّا يقوم في ضمير المتكلّم من المعاني، إلاّ
(326)
أنّه لو وجد هناك شيء يفيد ما تفيده الأصوات والحروف المتتابعة بنحو أعلى وأتم، لصحّت تسميته كلاماً أو كلمة. وهذا الشيء الذي يمكن أن يقوم مقام الكلام اللفظي هو فعل الفاعل الذي يليق أن يسمّى بالكلام الفعلي، ففعل كلّ فاعل، يكشف عن مدى ما يكتنفه الفاعل من العلم والقدرة والعظمة والكمال. غير أنّ دلالة الألفاظ على السرائر والضمائر اعتبارية، ودلالة الأفعال والآثار على ما عليه الفاعل والمؤثر من العظمة تكوينية.
ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يصف عيسى بن مريم بانّه كلمة اللّه التي ألقاها إلى مريم العذراء ويقول: «إِنَّما المَسيحُ عِيسى ابنُ مَريمَ رَسُولُ اللّهِ وكَلِمَتُهُ»(1)، كما يصف يحيى بها ويقول: «إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصدِّقاً بِكَلَمة مِنَ اللّهِ».(2)
بل يَعُدّ سبحانه كلّ ما في الكون من كلماته ويقول: «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً».(3)
ويقول سبحانه: «وَلَوْ أَنَّما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ».(4)
قال أمير المؤمنين وسيّد الموحدينـ عليه السَّلام ـ في «نهج البلاغـة»:
«يُخْبِرُ لا بلسان وَلَهَوات، وَيَسْمَعُ لا بخُـروق وأدوات، يقـول ولا يَلفِـظُ، ويَحْفَـظُ وَلا يَتَحَفَّـظُ، ويُـريد ولا يُضمِـر، يُحِـبّ ويـرضى مـن غيـر رِقّـة، ويُبْغِضُ ويغضـب مـن غيـر مشقّـة، يقـول لمـن أراد كـونه: كـن. فيكون، لا
1 . النساء:171.
2 . آل عمران:39.
3 . الكهف:109.
4 . لقمان:27.
(327)
بصوت يَقْرَع، ولا بِنداء يُسْمَع، وإنّما كلامه سبحانه فِعْلٌ منه أنشأه ومثَّلَهُ، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً».(1)
وقد نقل عنهـ عليه السَّلام ـ أنّه قال مبيّناً عظمـة خلقـة الإنسـان:
أتزعم أنّك جرمٌ صغير وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ
وأنت الكتابُ المبين الذي بأحرُفِهِ يَظْهَرُ المُضْمَرُ
فكلّ ما في صحيفة الكون من الموجودات الإمكانية كلماته، وتخبر عمّا في المبدأ من كمال وجمال وعلم وقدرة.
1 . نهج البلاغة:2/122، الخطبة179، ط عبده.
(328)
3
نظرية الأشاعرة
إنّ وصف التكلّم في النظريتين الماضيتين عدّ من صفات الفعل، فهو إمّا بخلق الأصوات والألفاظ يوصف بالتكلّم، أو بخلق العالم من جواهره وأعراضه يوصف به، لأنّ فعله يعرب عن كماله الذاتي كما يعرب الكلام اللفظي عمّا يقوم في ذهن المتكلّم من المعاني.
غير أنّ الأشاعرة ذهبت إلى أنّ وصف التكلّم من صفات ذاته كالعلم والقدرة وفسروا معنى كونه متكلّماً بالكلام النفسي، و قالوا:
إنّ الكلام النفسي غير علمه سبحانه في الإخبار، وغير إرادته وكراهته في الإنشاء مثلاً، فإذا قال سبحانه مخبراً:
«إِنَّ اللّهَ اشترى مِنَ الْمُؤْمِنينَ أَنفسَهُمْ وَأَموالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنّة».(1)
فانّ هناك علماً، وكلاماً نفسيّاً، والثاني غير الأوّل.
وإذا قال سبحانه منشئاً حكماً شرعياً إيجابياً: «حافِظُوا علَى الصلوات والصَّلاة الوُسطى».(2) فهناك إرادة وكلام نفسي.
وإذا قال منشئاً نهياً تحريمياً: «لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الكافِرينَ أَولياءَ مِنْ دُونِ
1 . التوبة:111.
2 . البقرة:238 .
(329)
الْمُؤْمِنين».(1)
فهناك كراهة، وكلام نفسي.
فالأشاعرة ذهبوا إلى أنّ في الجمل الإخبارية ـ وراء العلم ـ وفي الإنشائية كالأمر والنهي ـ وراء الإرادة والكراهة ـ شيء في ذهن كلّ متكلّم سواء أكان واجباً أم ممكناً هو المسمّى بالكلام النفسي وهو الكلام حقيقة.
وأمّا الكلام اللفظي فهو تعبير عن الكلام الواقعي.
وهذا الكلام النفسي في الإنسان حادث يتبع حدوث ذاته، وفيه سبحانه قديم يتبع قدم ذاته، وها نحن نأتي بكلمة من أقطاب الأشاعرة في المقام الذي يوضح معنى الكلام النفسي.
قال الفضل بن روزبهان في كتاب نهج الحق: إنّ الكلام عندهم لفظ مشترك يطلقونه على المؤلَّف من الحروف المسموعة، وتارة يطلقونه على المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ ويقولون هو الكلام حقيقة، وهو قديم قائم بذاته، ولابدّ من إثبات هذا الكلام، فانّ العرف لا يفهمون من الكلام إلاّ المؤلف من الحروف والأصوات، فنقول:
ليرجع الشخص إلى نفسه انّه إذا أراد التكلّم بالكلام، فهل يفهم من ذاته انّه يزوِّر ويرتِّب معاني فيعزم على التكلم بها؟ كما أنّ من أراد الدخول على السلطان أو العالم فانّه يرتّب في نفسه معاني وأشياء ويقول في نفسه سأتكلم بهـذا، فالمصنف يجد من نفسه هذا ألبتة، فها هو الكلام النفسي.
ثمّ نقول على طريقة الدليل: إنّ الألفاظ التي نتكلم بها لها مدلولات قائمة
1 . آل عمران:28.
(330)
بالنفس فنقول هذه المدلولات هي الكلام النفسي.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح ولكنه ليس شيئاً وراء العلم في الجمل الخبرية ولا غير الإرادة والكراهة في الجمل الإنشائية، وذلك:
إنّ المعاني التي تدور في خلد المتكلم في الجمل الخبرية ليست إلاّ تصور المعاني المفردة أو المركبة أو الإذعان بالنسبة فيرجع الكلام النفسي إلى التصورات والتصديقات فأي شيء هنا وراء العلم حتّى نسمّيه بالكلام النفسي.
كما أنّه عندما يرتّب المعاني الإنشائية فلا يرتّب إلاّ إرادته وكراهته أو ما يكون مقدّمة له، كتصور الشيء والتصديق بفائدته، فيرجع الكلام النفسي في الإنشاء إلى الإرادة والكراهة بضميمة تصور أُمور يعدّ من مقدماتهما، فأي شيء هنا غير الإرادة والكراهة وغير التصور والتصديق حتّى نسمّيه بالكلام النفسي.
وعلى ضوء ذلك لا يكون التكلّم وصفاً وراء العلم في الاخبار ووراء الإرادة والكراهة في الإنشاء مع أنّ الأشاعرة يصرّون على إثبات وصف ذاتي لكلّ متكلّم واجباً كان أو ممكناً وراء العلم والإرادة والكراهة، ولذلك يقولون: كونه متكلّماً بالذات غير كونه عالماً ومريداً بالذات.
وحصيلة الكلام: انّ الأشاعرة زعموا انّ في ذهن المتكلّم في الجملة الخبرية و الإنشائية وراء التصوّرات والتصديقات في الأُولى، ووراء الإرادة في الثانية شيئاً يسمّونه الكلام النفسي، وربّما سمّوا الكلام النفسي في القسم الإنشائي بالطلب مشعرين بتغايره مع الإرادة، وبذلك صحّحوا كونه سبحانه متكلّماً، ككونه عالماً وقادراً، وانّ الكلّ من الصفات الذاتية.
1 . نهج الحق، المطبوع في ضمن دلائل الصدق:146.
(331)
ولكن البحث والتحليل أوقفنا على خلاف ما ذهبوا إليه، لما عرفت من أنّه ليس وراء العلم في الجمل الخبرية، ولا وراء الإرادة والكراهة في الجمل الإنشائية شيء نسمّيه كلاماً نفسياً، ولو أرادوا بالكلام النفسي معنى الكلام اللفظي أو صورته العلمية التي ينطبق على لفظه، يرجع لبه إلى العلم ولا يزيد عليه وإن أرادوا به معنى وراء ذلك فلسنا نعرفه في نفوسنا إذا راجعناه.
أدلّة الأشاعرة على الكلام النفسي
ثمّ إنّ الأشاعرة استدلّوا على وجود الكلام النفسي في كلّ متكلّم بوجوه لا تسع الرسالة لذكرها. ونقتصر بذكر دليلين:
الأوّل: العصاة والكفّار مكلَّفون بما كلّف به أهل الطاعة والإيمان بنص القرآن الكريم، والتكليف عليهم لا يكون ناشئاً من إرادة اللّه سبحانه وإلاّ لزم تفكيك إرادته عن مراده، ولابدّ أن يكون هناك منشأ آخر للتكليف، وهو الذي نسمّيه بالكلام النفسي تارة، والطلب أُخرى، فيستنتج من ذلك انّه يوجد في الإنشاء شيء غير الإرادة.
ويجاب عنه بوجهين:
1. إرادته سبحانه لو تعلّقت بفعل نفسه فلا تنفك عن المراد، وأمّا إذا تعلّقت بفعل الغير فبما انّها تعلّقت بالفعل الصادر عن العبد عن حرية واختيار، فلا محالة يكون الفعل مسبوقاً باختيار العبد، فإن أراد واختار العبد يتحقّق الفعل، وإن لم يرد فلا يتحقّق.
وبعبارة أُخرى: لم تتعلّق مشيئته سبحانه بصدور الفعل من العبد على كلّ تقدير، أي سواء أراده أم لم يرده، وإنّما تعلّقت بصدوره منه بشرط سبق الإرادة، فإن
(332)
سبقت يتحقّق الفعل وإلاّ فلا.
2. انّ إرادته سبحانه لا تتخلّف عن مراده مطلقاً من غير فرق بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية.
أمّا الأُولى، فلو تعلّقت إرادته بإيجاد الشيء مباشرة أو من طريق الأسباب يتحقّق لا محالة، قال سبحانه: «إِنّما أَمْرهُ إِذا أَراد شَيئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون».(1)
وأمّا الثانية، فلابد من إمعان النظر في متعلّق الإرادة، فانّ متعلّقها في الإرادة التشريعية هو الإنشاء والبعث أو الزجر والتنفير وهو متحقّق في جميع عوامله ونواهيه، سواء امتثل العبد أم خالف .
وأمّا فعل العبد أو انتهاؤه فليسا متعلّقين بالإرادة التشريعية في أوامره ونواهيه، فتخلّفها لايعدّ نقضاً للقاعدة، لأنّ فعل الغير لا يكون متعلّقا لإرادة أحد، لعدم كون فعل الغير في اختيار المريد، ولأجل ذلك ذهب المحقّقون إلى أنّ الإرادة التشريعية إنّما تتعلّق بفعل النفس، أي إنشاء البعث والزجر لا فعل الغير.
الثاني: انّ كلّ عاقل يعلم أنّ المتكلّم من قامت به صفة التكلّم، ولو كان معنى كونه سبحانه متكلماً هو خلق الكلام، فلا يكون ذلك الوصف قائماً به فلا يقال لخالق الكلام متكلم.
يلاحظ عليه: أنّ قيام المبدأ بالفاعل ليس منحصراً بالقيام الحلولي، بل له أقسام:
1. القيام الصدوري، كالقتل والضرب في القاتل والضارب.
2. القيام الحلولي، كالعلم والقدرة في العالم والقادر.
1 . يس:82.
(333)
3. القيام الانتسابي، كما في اللابن والتامر.
إلى غير ذلك من أنواع القيام، فالتكلّم كالضرب ليس من المبادئ الحلولية في الفاعل، بل من المبادئ الصدورية، فلأجل انّه سبحانه موجد الكلام يطلق عليه انّه متكلّم وزان إطلاق الرازق والخالق والمميت والمحيي.
إلى هنا خرجنا بالنتيجة التالية: انّ تفسير وصفه سبحانه بكونه متكلماً إنّما يصحّ بكلا الوجهين الأوّلين:
1. كونه خالقاً للكلام في الخارج بنحو من الأنحاء.
2. كون فعله مطلقاً كلام له.
وأمّا تفسير كلامه بالكلام النفسي فغير صحيح.
إلى هنا تمّ الكلام في المقام الأوّل، وحان البحث في المقام الثاني، أي في حدوثه وقدمه الذي شغل بال المحدّثين والمتكلّمين عبر القرون.
(334)
2
في حدوث كلامه سبحانه أو قدمه
وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:
1. مبدأ فكرة قدم القرآن
الفتوحات الإسلامية أوجبت اختلاط المسلمين بغيرهم وصارت مبدأ لاحتكاك الثقافتين الإسلامية والأجنبية، وفي ذلك الخضمّ المشحون بتضارب الأفكار طُرِحت مسألة تكلّمه سبحانه في الأوساط الإسلامية . هذا من جانب.
ومن جانب آخر، كان الخلفاء يروّجون الخوض في المسائل العقائدية حتّى تنصرف الطبقة الفاضلة عن نقد أفعالهم وانحرافاتهم.
فالمهم في المقام التنبيه على مصدر هذه الفكرة (قدم القرآن أو حدوثه) فنقول: إنّ البحث في كونه مخلوقاً أو غير مخلوق، حادثاً أو قديماً ممّا أثاره النصارى الذين كانوا في بلاط البيت الأُموي، وعلى رأسهم يوحنا الدمشقي (المتوفّـى 112هـ) الذي كان يشكّك المسلمين في دينهم، فبما انّ القرآن عدّ عيسى بن مريم «كلمة اللّه» حيث قال: «إِنَّما الْمَسيحُ عِيسى ابن مَريم رَسُول اللّه وكلمته» صار ذلك وسيلة لئن يبثّ هذا الرجل بين المسلمين قدم «المسيح» عن طريق خاص، وهو أنّه كان يسألهم: أكلمة اللّه قديمة أو لا؟
(335)
فإن قالوا: قديمة.
قال: ثبت دعوى النصارى بأنّ عيسى قديم، لأنّه كلمة اللّه حسب تعبير كتابكم.
وإن قالوا: لا.
قال: زعمتم انّ كلامه مخلوق (أي مختلق).
فهو يجعل المسلمين على مفترق طريقين:
1. القرآن إمّا قديم، فعندئذ يثبت نظرية النصارى في المسيح، لأنّه كلمة اللّه حسب تنصيص القرآن، و الكلام والكلمة قديم، فثبت انّ عيسى المسيح قديم.
2. أو مخلوق، أي مختلق مكذوب على اللّه.
وبهذه القضية المنفصلة هيمن على السُّذّج من الناس و جرّ المحدِّثين إلى القول بأنّ القرآن قديم حذراً من كونه مختلقاً.
وقد غاب عنهم أوّلاً: انّ نقيض قولهم: القرآن قديم، هو كونه حادثاً، والقول بالحدوث لا يترتب عليه أي فساد.
وثانياً: انّ قولهم مخلوق ليس بمعنى «مختلق»، أعني: ما يومي إليه قول القائل الذي حكاه سبحانه في كتابه«إِن هذا إِلاّ قولُ البشر»(1) ، بل بمعنى انّه مخلوق للّه سبحانه أنزله بعلمه على قلب سيّد المرسلين، فلا فرق بين القرآن وسائر الموجودات في أنّ الجميع مخلوق له سبحانه.
وممّا يؤيد انّ فكرة قدم القرآن تعود إلى أهل الكتاب ما رواه ابن النديم في
1 . المدثر:25.
(336)
فهرسته قال: قال أبو العباس البغوي: دخلنا على «فثيون» النصراني و كان دار الروم بالجانب الغربي، فجرى الحديث إلى أن سألته عن ابن كلاب (الذي كان يقول بأنّ كلام اللّه هو اللّه).
فقال: «رحم اللّه عبد اللّه كان يجيء فيجلس إلى تلك الزاوية وأشار إلى ناحية من البيعة وعنّي أخذ هذا القول (كلام اللّه هو اللّه) ولو عاش لنصّرنا المسلمين».
قال البغوي: وسأله محمد بن إسحاق الطالقاني، فقال: ما تقول في المسيح؟ قال: ما يقوله أهل السنّة من المسلمين في القرآن.(1)
وعلى ذلك فالمسألة مستوردة وليست ناجمة من صميم الدين وأُصوله وقد طرحت في أوائل القرن الثاني في عصر المأمون وامتدت إلى عصر المتوكّل وما بعده.
2. واجب أهل الحديث، السكوت في هذه المسائل
إنّ مسلك أهل الحديث في اتّخاذ العقيدة في مسائل الدين هو اقتفاء كتاب اللّه وسنّة رسوله، فما جاء فيها يؤخذ به و ما لم يجئ فيها يُسكت عنه ولا يبحث فيه، ولأجل ذلك كان أهل الحديث يحرّمون علم الكلام ويمنعون البحث عن كلّ ما ليس وارداً في الكتاب والسنّة.
وعلى هذا كان اللازم على أهل الحديث السكوت وعدم النبس ببنت شفة في هذه المسألة، لأنّ البحث فيها حرام على أُصولهم، سواء أكان الموقف هو قدم القرآن أو حدوثه، لأنّه لم يرد فيه نصّ عن رسول اللّه ولا عن أصحابه، ومع الأسف
1 . فهرست ابن النديم:23، الفن الثالث من المقالة الخامسة.
(337)
كان موقفهم وفي مقدمهم أحمد بن حنبل موقف الإيجاب وتكفير المخالف.
3. طرح المسألة في ظروف عصيبة
إنّ تاريخ البحث عن حدوث القرآن وقدمه يعرب عن أمرين:
أ. انّ المسألة طرحت في جو غير هادئ ، ولم يكن البحث لغاية كشف الحقيقة وابتداعها، بل كلّ يصرّ على إثبات مدّعاه.
ب. لم يكن موضوع البحث منقَّحاً حتّى يتوارد عليه النفي والإثبات، وانّهم لماذا يفرّون من القول بحدوث القرآن؟ ولماذا يكفّرون القائل به؟ أهم يريدون من قدم القرآن، قدم الآيات التي يتلوها القارئ أو النبي أو أمين الوحي؟ أم يريدون قدم معانيه والمفاهيم الواردة فيه؟ أو يريدون قدم علمه سبحانه إلى غير ذلك من الاحتمالات التي سيوافيك مع أنّهم لم يركّزوا البحث على واحد منها.
إذا علمت هذه الأُمور فلنرجع إلى تحليل القول بحدوث القرآن وقدمه، فنقول:
تحليل مسألة القول بقدم القرآن
إنّ محط النزاع لم يُحدد بشكل واضح يقدر الإنسان معه على القضاء فيه، فهاهنا احتمالات يمكن أن تكون محطّ النظر لأهل الحديث والأشاعرة نطرحها على بساط البحث ونطلب حكمها من العقل الحصيف والقرآن الكريم:
1. الألفاظ والجمل الفصيحة البليغة التي عجز الإنسان في جميع القرون عن الإتيان بمثلها، وقد جاء بها أمين الوحي إلى النبي الأكرم، وقرأها الرسول فتلقّتها الأسماع وحرّرتها الأقلام على الصحف المطهرة. فهي ليست بمخلوقة على الإطلاق لا للّه سبحانه ولا لغيره.
(338)
2. المعاني السامية والمفاهيم الرفيعة في مجالات التكوين والتشريع والحوادث والأخلاق والآداب وغيرها الواردة في القرآن.
3. ذاته سبحانه وصفاته من العلم والقدرة والحياة التي بحث عنها القرآن وأشار إليها بألفاظه وجُمَلِه.
4. علمه سبحانه بكلّ ما ورد في القرآن الكريم.
5. الكلام النفسي القائم بذاته.
6. القرآن ليس مخلوقاً للبشر وإن كان مخلوقاً للّه.
وهذه المحتملات لا تختص بالقرآن الكريم، بل تطّرد في جميع الصحف السماوية النازلة إلى أنبيائه ورسله.
وإليك بيان حكمها من حيث الحدوث والقدم.
أمّا الأوّل: فلا أظن أنّ إنساناً يملك شيئاً من الدَّرْك والعقل يعتقد بكونها غير مخلوقة أو كونها قديمة، كيف وهي شيء من الأشياء، وموجود من الموجودات، ممكن غير واجب. فإذا كانت غير مخلوقة وجب أن تكون واجبة بالذات وهو نفس الشرك باللّه سبحانه وحتّى لو فُرض أنّه سبحانه يتكلّم بهذه الألفاظ والجمل، فلا يخرج تكلُّمه عن كونه فعله، فهل يمكن أن يقال إنّ فعله غير مخلوق أو قديم؟!
وأمّا الثاني: فهو قريب من الأوّل في البداهة، فإنّ القرآن ـ وكذا سائر الصحف ـ يشتمل على الحوادث المحقَّقة في زمن النبي من مُحاجّة أهل الكتاب والمشركين وما جرى في غزواته وحروبه من الحوادث المؤلمة أو المُسرّة، فهل يمكن أن نقول بأنّ الحادثة التي يحكيها قوله سبحانه: «قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّتي تُجادِلُكَ
(339)
فِي زَوْجِها وَتَشْتَكي إِلى اللّهِ وَاللّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصيرٌ».(1) قديمة؟
وقد أخبر اللّه تبارك وتعالى في القرآن والصحف السماوية عمّا جرى على أنبيائه من الحوادث وما جرى على سائر الأُمم من ألوان العذاب، كما أخبر عمّا جرى في التكوين من الخلق والتدبير، فهذه الحقائق الواردة في القرآن الكريم، حادثة بلا شكّ، لا قديمة.
وأمّا الثالث: فلا شكّ أنّ ذاته وصفاته من العلم والقدرة والحياة وكلّ ما يرجع إليها كشهادته أنّه لا إله إلاّ هو، قديم بلا إشكال وليس بمخلوق بالبداهة، ولكنّه لا يختصّ بالقرآن، بل كلّ ما يتكلّم به البشر ويشير به إلى هذه الحقائق، فالمشار إليها بالألفاظ والأصوات قديمة، وفي الوقت نفسه ما يشار به من الكلام والجمل حادث.
وأمّا الرابع: أي علمه سبحانه بما جاء في هذه الكتب وما ليس فيها، فلا شكّ أنّه قديم نفس ذاته. ولم يقل أحد من المتكلّمين الإلهيين ـ إلاّ من شذّ من الكرّامية ـ بحدوث علمه.
وأمّا الخامس: أعني كونه سبحانه متكلّماً بكلام قديم أزلي نفساني ليس بحروف الأصوات، مغاير للعلم والإرادة، فقد عرفت أنّ ما سمّاه الأشاعرة كلاماً نفسيّاً لا يخرج عن إطار العلم والإرادة، ولا شكّ أنّ علمه وإرادته البسيطة قديمان.
وأمّا السادس: وهو أنّ الهدف من نفي كونه غير مخلوق، كون القرآن غير مخلوق للبشر، وفي الوقت نفسه هو مخلوق للّه سبحانه، فهذا أمر لا ينكره مسلم. فإنّ القرآن مخلوق للّه سبحانه والناس بأجمعهم لا يقدرون على مثله.
1 . المجادلة:1.
(340)
قال سبحانه: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهيراً».(1)
وهذا التحليل يُعرِبُ عن أنّ المسألة كانت مطروحة في أجواء مُشَوّشة وقد اختلط فيها الحابُل بالنابِل، ولم يكن محط البحث محرّراً على وجه الوضوح حتّى يعرف المُثْبَت عن المَنْفي، ويُمخض الحق من الباطل.
موقف أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في هذه المسألة
إنّ تاريخ البحث وما جرى على الفريقين من المحن، يشهد بأنّ التشدّد فيه لم يكن لإحقاق الحقّ وإزاحة الشكوك، بل استغلت كلّ طائفة تلك المسألة للتنكيل بخصومها. فلأجل ذلك نرى أنّ أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ منعوا أصحابهم من الخوض في تلك المسألة، فقد سأل الرّيّان بن الصَّلْت الإمام الرضاـ عليه السَّلام ـ وقال له: ما تقول في القرآن؟
فقالـ عليه السَّلام ـ : «كلامُ اللّه لا تَتَجاوَزُوهُ وَلا تَطْلبوا الهُدى في غَيرِه، فَتَضِلّوا».(2)
وروى علي بن سالم عن أبيه قال: سألت الصادق جعفر بن محمدـ عليه السَّلام ـ فقلت له: يابن رسول اللّه ما تقول في القرآن؟
فقال: «هو كلامُ اللّه، وقولُ اللّه، وكتابُ اللّه، ووْحيُ اللّه، وتنزيلُه. وهو الكتاب العزيز لا يأتيه الباطل من بين يَدَيْه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد».(3)
1 . الإسراء:88.
2 . التوحيد للصدوق، باب القرآن ماهو، الحديث2، ص 223.
3 . التوحيد، للصدوق، باب القرآن، الحديث3، ص 224.
(341)
وحدّث سليمان بن جعفر الجعفري قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفرـ عليه السَّلام ـ : يابن رسول اللّه، ما تقول في القرآن؟ فقد اختلف فيه مَن قبْلَنا، فقال قوم إنّه مخلوق، وقال قوم إنّه غير مخلوق؟
فقالـ عليه السَّلام ـ : «أما إنّي لا أقول في ذلك ما يقولون، ولكنّي أقول: إنّه كلام اللّه».(1)
فإنّا نرى أنّ الإمامـ عليه السَّلام ـ يبتعد عن الخوض في هذه المسألة لما رأى من أنّ الخوض فيها ليس لصالح الإسلام، وأنّ الاكتفاء بأنّه كلام اللّه أحسم لمادة الخلاف. ولكنّهمـ عليهم السَّلام ـ عندما أحسوا بسلامة الموقف، أدلوا برأيهم في الموضوع، وصرّحوا بأنّ الخالق هو اللّه وغيره مخلوق والقرآن ليس نفسه سبحانه، وإلاّ يلزم اتحاد المُنْزَل والمُنْزِل، فهو غيره، فيكون لا محالة مخلوقاً.
فقد روى محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني أنّه كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ إلى بعض شيعته ببغداد: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، عَصَمَنا اللّهُ وإيّاك من الفِتْنَةِ، فإنْ يَفْعَل فقد أعظَمَ بِها نِعمة، وإن لا يَفْعَل فهي الهَلَكة. نحن نرى أنّ الجِدالَ في القرآن بِدْعَةٌ، اشترك فيها السائل والمُجيب، فيتعاطى السائل ما ليس له، ويتكلّف المُجيب ما ليس عليه، وليس الخالقُ إلاّ اللّه عزّ وجلّ، وما سواهُ مخلوقٌ، والقرآنُ كلامُ اللّه، لا تَجْعَل لَه اسماً مِنْ عندِك فتكون من الضّالّين، جعَلَنا اللّه، وإياك من الّذين يَخْشَوْنَ ربّهم بالغيب وهم من السّاعة مُشفقون».(2)
وفي الرواية المروية إشارة إلى المحنة التي نقلها المؤرخون، حيث كتب المأمون
1 . المصدر السابق، الحديث5، ص 224.
2 . المصدر السابق، الحديث4.
(342)
إلى الولاة في العواصم الإسلامية أن يختبروا الفقهاء والمحدّثين في مسألة خلق القرآن، وفرض عليهم أن يعاقبوا كلّ من لا يرى رأي حدوث القرآن في هذه المسألة. وجاء المعتصم والواثق فطبّقا سيرته وسياسته مع خصوم المعتزلة وبلغت المحنة أشدها على المحدّثين، وبقى أحمد بن حنبل ثمانية وعشرين شهراً تحت العذاب فلم يتراجع عن رأيه.(1)
ولما جاء المتوكل العباسي، نصر مذهب الحنابلة وأقصى خصومهم، فعند ذلك أحسّ المحدثون بالفرج وأحاطت المحنة بأُولئك الذين كانوا بالأمس القريب يفرضون آراءهم بقوة السلطان.
فهل يمكن عدّ مثل هذا الجدال جدالاً إسلامياً، وقرآنياً، لمعرفة الحقيقة وتبيّنها، أو أنّه كان وراءه شيء آخر؟ اللّه العالم بالحقائق وضمائر القلوب.
1 . لاحظ سير أعلام النبلاء للذهبي، ج11، ص 252.
(343)
الصفات الخبرية
قسّم الباحثون صفاتهِ سبحانه إلى: صفات ذاتية وصفات خبرية. فالعِلْم والقدرة والحياة والسمع والبصر وكلّ ما تطلق عليه صفة الكمال يعدّ من الصفات الذاتية، وأمّا ما دلّت عليه ظواهر الآيات والأحاديث كالعلوّ والوجه واليدين والاستواء والرجل إلى غير ذلك ممّا ورد في المصدرين فتعدّ من الصفات الخبريّة.
ثمّ إنّ لأهل الحديث والكلام آراءً في تفسير الصفات الخبرية قد أوضحنا حالها في بحوثنا الكلامية(1)، ونحن نقتصر في المقام بنقل ما عليه سلف أهل السنّة وهم على طائفتين:
نعبر عنها بـ:
مبتدعة السلفية.
ومعطِّلة السلفية.
والطائفة الأُولى مغترون بظواهر بعض الآيات والأحاديث من دون إمعان وفكر في مفاهيمها ومقاصدها وهم المجسِّمة والمشبِّهة.
والطائفة الثانية يتبرّأون من التجسيم ولكنّهم لا يخوضون في فهم الآيات ولا يمعنون في معانيها، وبذلك عدّوا من المُعطِّلة، لأنّهم عطّلوا العقول في الإمعان في صفاته. فكلا الطائفتين حُرمتا من الاستضاءة بنور القرآن.
1 . لاحظ بحوث في الملل والنحل:2/95ـ 114; مفاهيم القرآن: قسم المقدمة:15ـ32.
(344)
وإليك دراسة كلتا النظريتين:
1. مبتدعة السلفية
إنّ غالبية السلف اغترّوا بكل حديث وقعت أعينهم عليه، فجمعوا في حقائبهم كلّ ما سمعوه، وبالتالي أخذوا بالظواهر وتركوا الاستعانة بالقرائن، ووصفوا كلّ بحث حول المعارف القرآنية تأويلاً للقرآن وخروجاً عن الدين، وكبحوا جماح العقل بتهمة الزندقة، فوصفوا الكمال المطلق بالحلول والنزول والصعود والاستواء على السرير، ترى كثيراً من هذه الأحاديث في مرويات حمّاد بن سلمة، ونعيم بن حماد، ومقاتل بن سليمان، ومن لفّ لفّهم، ففي مرويّاتهم تلك الآثار المشينة، وقد قلّدهم كثير من البسطاء في القرون المتأخرة فحسبوها حقائق راهنة وألفوا فيها الكتب.
وعلى هذا الأساس ألّف كتاب «التوحيد» لمحمد بن إسحاق بن خزيمة(المتوفّى321هـ) و كتاب «السنّة» لعبد اللّه بن أحمد بن حنبل، وكتاب «النقض» لعثمان بن سعيد الدارمي السجزي المجسّم فانّه أوّل من اجترأ من المجسمة بالقول بأنّ اللّه لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته فكيف على عرش بعيد؟!!
هذا هو الشهرستاني يحكي عقيدة مبتدعة السلف الذين يجرون الصفات الخبرية على اللّه بمعانيها الحرفية من دون تدبر فيما هو المراد الواقعي من خلال هذه الصفات، ويقول:
وأمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجنب والمجيء والإتيان والفوقية وغير ذلك، فأجروها على ظاهرها، أعني: ما يفهم عند إطلاق
(345)
هذه الألفاظ على الأجسام، وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة وغيرها في قوله عليه الصلاة والسلام:«خُلق آدم على صورة الرحمن»، وقوله: «حتّى يضع الجبار قدمه في النار»، وقوله: «قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن»، وقوله: «خمّر طينة آدم بيده أربعين صباحاً»، وقوله: «وضع يده أو كفّه على كتفي»، و قوله:« حتّى وجدت برد أنامله على كتفي» إلى غير ذلك، أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام، وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأكثرها مقتبسة من اليهود، فانّ التشبيه فيهم طباع، حتّى قالوا: اشتكت عيناه(اللّه) فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتّى رمدت عيناه، وإنّ العرش لتئط من تحته أطيط الرحل الجديد، وأنّه ليفضل من كلّ جانب أربع أصابع، وروى المشبهة عن النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لقيني ربي فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفي حتّى وجدت برد أنامله».(1)
هذه عقيدة مبتدعة السلف، وإليك شيئاً من نصوص هؤلاء :
1. قيل لعبد اللّه بن مبارك: كيف يعرف ربنا؟ قال: بأنّه فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه.(2)
2. وقال الأوزاعي: إنّ اللّه على عرشه،ونؤمن بماوردت به السنّة من صفاته.(3)
3. وقال الدارمي في مقدّمة كتابه«الرد على الجهمية»: استوى على عرشه، فبان من خلقه، لا تخفى عليه منهم خافية، علمه بهم محيط، وبصره فيهم نافذ.(4)
1 . الملل والنحل:1/105ـ 107.
2 . راجع في الوقوف على مصادر هذه النصوص كتاب «علاقة الإثبات والتفويض»: ص 48، 41، 68.
3 . راجع في الوقوف على مصادر هذه النصوص كتاب «علاقة الإثبات والتفويض»: ص 48، 41، 68.
4 . راجع في الوقوف على مصادر هذه النصوص كتاب «علاقة الإثبات والتفويض»: ص 48، 41، 68.
(346)
4. وقال المقدسي في كتابه«أقاويل الثقات في الصفات»: ولم ينقل عن النبي أنّه كان يحذِّر الناس من الإيمان بما يظهر في كلامه في صفة ربّه من الفوقية واليدين ونحو ذلك، ولا نقل لهذه الصفات معاني أُخر، باطنها غير ما يظهر من مدلولها، وكان يحضر في مجلسه العالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي الجافي، ثمّ لا تجد شيئاً يعقب تلك النصوص بما يصرفها عن حقائقها، لا نصاً ولا ظاهراً، ولما قال للجارية: أين اللّه؟ فقالت: في السماء، لم ينكر عليها بحضرة أصحابه كي لا يتوهموا أنّ الأمر على خلاف ما هي عليه، بل أقرّها و قال: أعتقها فإنّها مؤمنة.(1)
5. وقال القرطبي في تفسيره عند تفسير آية54 من سورة الأعراف «ثُمَّ استوى على العَرْش» :
وقد كان السلف الأوّل ـ رضي اللّه عنهم ـ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها للّه تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنّه استوى على عرشه حقيقة، وخص العرش بذلك لأنّه أعظم مخلوقاته، وإنّما جهلوا كيفية الاستواء فإنّها لا تعلم حقيقته.(2)
إلى غير ذلك من الكلمات التي يتبادر منها أنّ القائل بها يريد إجلاسه سبحانه على العرش إجلاساً حقيقياً حسّياً، وأنّ تلك هي العقيدة الإسلامية التي يشترك فيها العالم والأعرابي الجافي.
ولكن العجب انّ هذه البدع بعد إخمادها، أخذت تنتعش في أوائل القرن الثامن بيد أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفّى عام 728هـ) فجدد ما
1 . «علاقة الإثبات والتفويض»، ص 115.
2 . الملل والنحل:1/15.
(347)
اندرس من آثار تلك الطائفة المشبّهة، وقد وصفه السبكي في «السيف الصقيل»: «بأنّه رجل جسور يقول بقيام الحوادث بذات الرب»، ولكنّه يقول بأنكر من ذلك، وقد أتى بنفس ما ذكره الدارمي المجسم في كتابه «غوث العباد» المطبوع بمصر عام 1351هـ في مطبعة الحلبي.
وعلى ذلك فابن تيمية أذن إمام المدافعين عن بيضة أهل التشبيه وشيخ إسلام أهل التجسيم ممّن سبقه من الكرامية وجهلة المحدّثين، الذين اهتموا بالحفظ المجرد، وغفلوا عن الفهم والتفكير، ولأجل ذلك نرى أنّ الشيخ الحراني يرمي المفكّرين من المسلمين كإمام الحرمين والغزالي في كتابيه (منهاج السنة والموافقة المطبوع على هامش الأوّل)، بأنّهما أشدّ كفراً من اليهود و النصارى مع أنّه (أي ابن تيمية)يعتنق عقائد يخالف فيها جمهرة المسلمين وأئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ .
2. معطلة السلفية
لمّا كانت هذه الفكرة تُخبر عن التجسيم والجهة وغير ذلك من المضاعفات حاول الإمام الأشعري(260ـ324هـ) بإصلاح عقيدة أهل الحديث بشق طريق متوسط بين الأخذ بالصفات الخبرية بحرفيتها وبين تأويلها الذي كان عليه المعتزلة فصارت عقيدة الأشعري عقيدة معدّلة.
وحاصل تلك النظرية: انّ الصفات الخبرية تُحمل على اللّه تعالى بنفس معانيها ولكن مقيدة بعدم الكيف، فله سبحانه يد بلا كيف، و عين بلا كيف، ورجل بلا كيف، واستواء بلا كيف، ومعنى كونه بلا كيف انّه لا يعرف كنه الصفة ولسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات.
وهذه الطائفة وإن خرجت عن مغبّة التشبيه والتجسيم غير انّهم تورّطوا في أشراك التعطيل وحبائله، فعطّلوا العقول عن التفكّر في المعارف والأُصول كما
(348)
عطّلوها عن التدبر في الآيات والأحاديث، فكأنّ القرآن ألغاز نزلت إلى البشر، وليس كتاباً للتعليم والإرشاد، قال تعالى «وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء»(1) فإذا كان القرآن مبيناً لكلّ شيء فكيف لا يكون مبيناً لنفسه؟ وكيف يكون المطلوب منه نفس الاعتقاد من دون فهم معناه؟
ولكن التتبع في سير المسائل الكلامية يثبت بأنّ هذا النوع من العقيدة حول الصفات الخبرية كانت له جذور في كلام أئمّة أهل السنّة، ولعلّ الإمام الأشعري أخذ النظرية عنهم. وإليك نصين أحدهما من أبي حنيفة والآخر من الشافعي.
قال أبو حنيفة: وما ذكر اللّه تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف ولا يقال انّ يده قدرته ونعمته، لأنّ فيه إبطال الصفة، وهذا قول أهل القدر والاعتزال ولكن يده صفته بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف.
وقال الشافعي: للّه أسماء وصفات لا يسع أحداً ردّها، ومن خالف بعد ثبوت الحجّة عليه كفر، وأمّا قبل قيام الحجّة، فانّه يعذر بالجهل، ونثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال بـ«ليسَ كَمِثلهِ شَيْء»(2).(3)
إثبات الأشعري بين التشبيه والتعقيد
إنّ نظرية الإمام الأشعري ـ بل نظرية الإمامين: أبي حنيفة والشافعي ـ وان تميّزت عن سابقتها بنفي التجسيم والتشبيه لكنّها انتهت إلى سقوطها في ورطة
1 . النحل:89.
2 . الشورى:11.
3 . فتح الباري:13/343.
(349)
الألغاز والتعقيد، وذلك من خلال البيان التالي:
إنّ العقيدة الإسلامية المستقاة من الكتاب والسنّة والعقل الحصيف تتسم بسمتين :
1. تنزيهها عن التشبيه والتجسيم المأثورين عن اليهود والنصارى.
2. ابتعادها عن التعقيد والالغاز التي لا تجتمع مع موقف الاسلام والقرآن في عرض العقائد بأسلوب واضح على المجتمع الإسلامي.
فكما أنّه يجب على الباحث التحرز عن سمة التجسيم والتشبيه، يجب التحرز عن جعل صفاته سبحانه ألفاظاً جوفاء أو معاني معقدة لا يفهم منها شيء.
وللأسف انّ أكثر السلف ابتلوا بأحد هاتين الوصمتين: إمّا التشبيه والتجسيم كما مرّ، وإمّا التعقيد واللغز. وذلك لأنّ إثبات الصفات الخبرية للّه سبحانه وإمرارها عليه عند السلف«مبتدعة ومعطلّة» لا يخرج عن أحد هذين الإطارين، فالكلّ إمّا يتكلّمون عنها في إطار التشبيه والتكييف، ويسترسلون في هذا المضمار، كما عليه مبتدعة السلف، أو يفسرونها في إطار من التعقيد والغموض، والكلّ مردود، مرفوض.
وهانحن نأتي ببعض نصوص القوم في هذا المجال،حتى نرى كيف أنّ العناية بالإثبات في مقابل «نفاة الصفات» أفضى بالقوم إلى حدّ التعقيد ومهزلة الغموض، وكأنّ الصفات الواردة في الذكر الحكيم لم ترد للتدبر فيها، فإليك نزراً من كلماتهم:
1. قال سفيان بن عيينة: كلّ شيء وصف اللّه به نفسه في القرآن فقراءته
(350)
تفسيره، لا كيف ولا مثيل.(1)
2. قال ابن خزيمة: إنّما نثبت للّه ما أثبته لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك في قلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين.(2)
3. قال الخطيب: إنّما وجب إثباتها، لأنّ التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها بقوله تعالى: «ليس كمثله شيء».(3)
4. قال ابن قدامة المقدسي: وعلى هذا درج السلف والخلف متفقون على الإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب اللّه وسنّة رسوله من غير تعرض لتأويله.(4)
إنّ أصحاب هذه العقيدة وإن كانوا يتظاهرون بإثبات معاني الصفات الخبرية عليه سبحانه ولكنّهم يصفون الصفات بلفظة «بلا كيف» وهذا يجعلهم بين مفترق طريقين:
إمّا التشبيه وإمّا التعقيد.
وهذا ما نوضحه بالبيان التالي:
إنّ اليد والوجه والرجل موضوعة للأعضاء الخاصة في الإنسان، ولا يتبادر منها إلاّ ما يتبادر عند أهل اللغة، وحينئذ فإن أُريد منها المعنى الحقيقي يلزم التشبيه، وإن أُريد غيره فذلك الغير إمّا معنى مجازي أُريد منه بحسب القرينة فيلزم التأويل، وهم يفرّون منه فرار المزكوم من المسك.
وإمّا شيء لا هذا ولا ذاك، فما هو ذلك الغير؟ بيّنوه لنا حتّى تتسّم العقيدة
1 . علاقة الإثبات والتفويض:44.
2 . علاقة الإثبات والتفويض: 58، 59، 59.
3 . علاقة الإثبات والتفويض: 58، 59، 59.
4 . علاقة الإثبات والتفويض:59. وهذا الكتاب مشحون بهذا النوع من الأقوال.
(351)
بالوضوح والسهولة، ونبتعد عن التعقيد والإبهام، وإلاّ فالقول بأنّ له وجهاً لا كالوجوه، ويداً لا كالأيدي ألفاظ جوفاء وشعارات خدّاعة لا يستفاد منها شيء سوى تخدير الأفكار وتضليلها عن جادة الصواب.
وباختصار: انّ المعنى الصحيح لا يخرج عن المعنى الحقيقي والمجازي، وإرادة أمر ثالث خارج عن إطار هذين المعنيين يعد غلطاً وباطلاً، وعلى هذا الأساس لو أُريد المعنى الحقيقي لزم التشبيه بلا إشكال، ولو أُريد المعنى المجازي لزم التأويل، والكلّ ممنوع عندهم، فما هو المراد من هذه الصفات الواردة في الكتاب والسنّة؟
إنّ ما يلهجون به ويكررونه من أنّ هذه الصفات تجري على اللّه سبحانه بنفس معانيها الحقيقية ولكن الكيفية مجهولة، أشبه بالمهزلة، إذ لو كان إمرارها على اللّه بنفس معانيها الحقيقية لوجب أن تكون الكيفية محفوظة حتّى يكون الاستعمال حقيقياً، لأنّ الواضع إنّما وضع هذه الألفاظ على تلك المعاني التي يكون قوامها بنفس كيفيتها، ويكون عمادها وسنادها بنفس هويتها الخارجية، فاستعمالها في المعاني حقيقة بلا كيفية أشبه بالأسد بلا ذنب ولا مخلب ولا و لا... فقولهم: «المراد هو أنّ للّه يداً حقيقة لكن لا كالأيدي» أشبه بالكلام الذي يناقض ذيله صدره.
أضف إلى ذلك: انّه ليس في النصوص من الكتاب والسنّة من هذه «البلكفة» أثر ولا عين وإنّما هو شيء اخترعه الفكر، للتذرع به في مقام الرد على الخصم والنقض عليه، بأنّ لازم إمرارها على اللّه بنفس معانيها، هو التجسيم والتشبيه.
وأمّا ما هو الصحيح في تفسير الصفات الخبرية، على نحو لا يلزم منه
(352)
تعطيل العقول عن الإمعان في مفاهيمها، ولا التأويل أي حمل ظاهر الآية على خلافها؟ فهذا ما سنبيّنه تالياً.
بين التعطيل والتأويل
إنّ تفسير الصفات الخبرية على النحو الصحيح يقوم على دعامتين:
الأُولى: أن لا ينتهي التفسير إلى التجسيم والتشبيه والجهة وما لا يصحّ وصفه سبحانه به على ما دلّت عليه الآيات القرآنية والأدلة العقلية.
الثانية: أن يكون نزيهاً عن التأويل بمعنى صرف الآية عن ظاهرها إلى غير ظاهرها، وذلك لأنّ الآيات القرآنية حجّة بظاهرها ولا يصحّ لنا ترك ظاهر الآية إلى غيرها، لأنّ ذلك عمل اليهود والنصارى حيث يؤوّلون ظواهر التوراة والإنجيل لكونها مخالفة للأحكام العقلية الواضحة والعلوم القطعية التي أثبتتها التجارب العلمية.
والمحقّقون من الإسلاميّين عن بكرة أبيهم يأخذون بظواهر الآيات ولا يؤوّلونها قيد شعرة، غير أنّ الذي يجب التركيز عليه هو تشخيص ظاهر الآية، فبعد ثبوته لا يمكن رفع اليد عنه إلاّ بدليل قرآني خاص يكون ناسخاً أو مخصصاً أو مقيّداً. ومن المعلوم أنّ مجاري النسخ والتخصيص والتقييد هو آيات الأحكام، لا العقائد والمعارف. وأمّا ما وراء ذلك فيجب علينا الأخذ بالظواهر دون التنازل عنه قيد شعرة.
الظاهر الإفرادي غير الظاهر الجملي أو التصديقي
إنّ الظاهر الإفرادي لا يؤخذ به في منهج العقلاء وإنّما يؤخذ بالظاهر
(353)
الجُمْلي والتصديقي.
1. رأيت أسداً في الحمام، فلفظة «أسد» ظاهرة في الحيوان المفترس، ولكنّه ظاهر إفرادي لا يؤخذ به ولا تدور عليه رحى المحاورة، وإنّما يؤخذ بالظاهر الجُمْلي أو التصديقي و هو الرجل الشجاع بقرينة قوله: في الحمام.
2. يتكرر في مصطلحاتنا ومحاضراتنا وصف الرجل ببسط اليد وقبضه، فله ظهور إفرادي وهو انّ يده مبسوطة لا تقبض أو مقبوضة لا تبسط، ولكنّه لا يحتج به وله ظهور جملي وتصديقي، وإنّما يحتج بالظهور الثاني وهو كونه كريماً و سخياً، أو لئيماً وبخيلاً.
3. إذا قلنا زيد كثير الرماد فالظهور البدوي انّ بيت زيد غير نظيف، ولكنّه ظهور بدوي، فإذا لوحظ انّ الكلام ورد في مقام المدح يكون قرينة على أنّ المراد لازم المعنى وهو الجود، والذي يجب الأخذ به هو الظهور الجملي لا الحرفي والظهور المستقر لا البدوي.
تفسير نماذج من الصفات الخبرية
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الآيات الحاكية عن الصفات الخبرية إذا لوحظت مع القرائن المحتفة بالكلام يتبيّن الظهور التصوري عن التصديقي، والظهور الابتدائي عن الاستقراري ويتبيّن انّ هذه الآيات غنية عن التأويل بمعنى حمل ظاهر الآية على خلافه.
ولأجل توضيح تلك الفكرة التي عليها العدلية نفسر بعض الآيات على هذا الأساس ليكون مقياساً لسائر الآيات التي ربما يكون ظاهرها البدوي على خلاف التنزيه.
(354)
1. يقول سبحانه «قالَ يا إِبليسُ ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَديَّ أَسْتَكْبَرتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العالين».(1)
فنقول: إنّ «اليد» في الآية استعمل في العضو المخصوص ولكن كُنِّي بها عن الاهتمام بخلقة آدم حتى يتسنّى بذلك ذم إبليس على ترك السجود لآدم، فقوله سبحانه:«ما منَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِماخَلَقْتُ بيدي» كناية عن أنّ آدم لم يكن مخلوقاً لغيري حتى يصحّ لك يا شيطان التجنّب عن السجود له، بحجة أنّه لا صلة له بي، مع أنّه موجود خلقتُه بنفسي، ونفخت فيه من روحي، فهو مخلوقي الذي قمت بخلقه، فمع ذلك تمرّدت عن السجود له.
فأُطلقت الخلقةُ باليد وكُنّي بها عن قيامه سبحانه بخلقه، وعنايته بإيجاده، وتعليمه إيّاه أسماءه، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد، يقول: هذا ما بنيته بيدي، أو ما صنعته بيدي، أو ربيّته بيدي، ويراد من الكل هو القيام المباشري بالعمل بكلّ الوجود، لا خصوص اليد، وكأنّه سبحانه يندد بالشيطان بأنّك تركتَ السجود لموجود اهتممت بخلقه وصنعه.
2. «أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّاعَمِلَت أَيْدِينا أَنعاماً فَهُمْ لَها مالِكُون»(2) فالمجسّمة المتعبّدة بظواهر النصوص البدوية تستدلّ بالآية على أنّ للّه سبحانه أيدي يقوم بها بالأعمال الكبيرة، ولكن المساكين اغترّوا بالظهور التصوريّ ولم يتدبّروا في الظهور التصديقي، أخذوا بالظهور الجزئي دون الجملي، فلو كانوا ممعنين في مضمون الآية وما احتفّ بها من القرائن، لميّزوا الظهور التصديقي الذي هو الملاك عن غيره، فإنّ الأيدي في الآية كناية عن تفرّده تعالى
1 . ص:75.
2 . يس:71.
(355)
بخلق الأنعام وانّه لم يشاركه أحد فيها، فهي مصنوعة للّه تعالى والناس ينتفعون بها، فبدل أن يشكروا، يكفرون بنعمته، وأنت إذا قارنت بين الآيتين تقف على أنّ المقصود هو المعنى الكنائي، والمدار في الموافقة والمخالفة هو الظهور التصديقي لا التصوري.
قال الشريف المرتضى: قوله تعالى: «لماخلقت بيدي» جار مجرى قوله: «لماخلقت أنا» وذلك مشهور في لغة العرب. يقول أحدهم: هذا ما كسبتْ يداك، وما جرت عليك يداك. وإذا أرادوا نفي الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضرب من الكلام فيقولون: فلان لا تمشي قدمه، ولا ينطق لسانه، ولا تكتب يده، وكذلك في الإثبات، ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة بل الفائدة فيه النفي عن الفاعل.(1)
3.قال سبحانه: «وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيد وَإِنّا لَمُوسِعُون»(2) فاليد وإن كانت ظاهرة في العضو الخاص لكنّها في الآية كناية عن القوة والإحكام، وذلك لأنّ «اليد» من مظاهر القدرة والقوة بقرينة قوله:«وانّا لموسعون»، وكأنّه سبحانه يقول: والسماء بنيناها بقدرة لا يوصف قدرها وإنّا لذو سعة في القدرة لا يعجزها شيء، أو بنيناها بقدرة عظيمة ونوسعها في الخلقة. (3)
4. قال سبحانه: «الرحمنُ على الْعَرشِ استَوى»(4) انّ العرش في اللغة هو السرير والاستواء عليه هو الجلوس، غير أنّ هذا حكم مفرداتها، وأمّا معنى الجملة فيتفرع الاستظهار منها، على القرائن الحافة بها، فالعرب الأقحاح لا يفهمون منها سوى السلطة والاستيلاء، وحملها على غير ذلك يعدّ تصرّفاً في الظاهر، وتأويلاً لها،
1 . أمالي المرتضى:1/565.
2 . الذاريات:47.
3 . الكشاف:3/21.
4 . طه:5.
(356)
فإذا سمع العرب قول القائل:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
أو سمع قول الشاعر:
ولما علونا واستوينا عليهم تركناهم مرعى لنسر وكاسر
فلا يتبادر إلى أذهانهم سوى الاستيلاء والسيطرة والسلطة، لا العلو المكاني الذي لا يعد ـ حتّى ـ كمالاً للجسم، وأين هو من العلو المعنوي الذي هو كمال الذات.
وقد جاء استعمال لفظ الاستواء على العرش في سبع آيات مقترناً بذكر فعل من أفعاله، وهو رفع السماوات بغير عمد، أو خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فكان ذاك قرينة على أنّ المراد منه ليس هو الاستواء المكاني بل الاستيلاء والسيطرة على العالم كله، فكما لاشريك له في الخلق والإيجاد لا شريك له أيضاً في الملك والسلطة، ولأجل ذلك يقول في بعض هذه الآيات ـ بعد الإخبار عن استوائه على العرش ـ: «أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمينَ».(1)
فالتأويل بلا قيد وشرط، إذا كان ضلالاً ـ كما سيوافيك بيانه ـ فكذلك الجمود على ظهور المفردات، وترك التفكّر والتعمّق أيضاً ابتداع مفض إلى صريح الكفر، فلو حمل القارئ قوله سبحانه: «لَيْسَ كَمِثْلهِ شَيء»(2) على أنّ للّه مثلاً، وليس لهذا المثل مثل... إذن يقع في مغبّة الشرك وحبائله، وقد نقل الرازي في تفسيره لهذه الآية كلاماً عن ابن خزيمة نأتي بنصّه حيث قال: «واعلم أنّ محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه
1 . الأعراف:54.
2 . الشورى:11
(357)
بالتوحيد، وهو في الحقيقة كتاب الشرك، واعترض عليها، وأنّا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنّه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل».(1)
هذه نماذج قدمناها إلى القارئ الكريم لكي تسلط ضوءاً على تفسير مالم نذكره.
فخرجنا بالنتيجة التالية:
إنّ الصفات الخبرية كالوجه واليد، والعين وغيرها، لها حكم عند الافراد ولها حكم آخر إذا جاءت في ضمن الجمل فعند الافراد يؤخذ بمعانيها اللغوية، وعندما تأتي في ضمن الجمل، تتبع القرائن الموجودة في الكلام من غير فرق بين ما وقع وصفاً للّه سبحانه، أو جاء وصفاً لغيره.
فإذا قال سبحانه «وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً»(2) تحمل اليد والعنق على ما هو المتبادر من هذه الجمل، وهو الإسراف والتقتير، فبسط اليد أُريد به الإنفاق بلا شرط; كما أنّ جعل اليد مغلولة، أُريد به التقتير.
هذا ـ مع العلم ـ بأنّ بسط اليد عند الإفراد بمعنى مدها و غلّ اليد إلى العنق بمعنى شدّها.
وممّا ذكرنا يظهر لك مقاصد الآيات التي وردت فيها الصفات الخبرية، نظير:
1. العين، كقوله سبحانه: «وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي».(3)
1 . التفسير الكبير:14/150.
2 . الإسراء:29
3 . طه:39.
(358)
2. اليمين، كقوله سبحانه: «وَالسّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِه».(1)
3. الاستواء، كقوله سبحانه: «الرَّحمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوى».(2)
4. النفس، كقوله سبحانه: «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسي وَلا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ».(3)
5. الوجه، كقوله سبحانه: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه» .(4)
6. الساق، كقوله سبحانه: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساق».(5)
7. الجنب، كقوله سبحانه: «عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ».(6)
8. القرب، كقوله سبحانه: «فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوةَ الدّاعِ» .(7)
9. المجيء، كقوله سبحانه: «وَجاءَ رَبُّكَ» .(8)
10. الإتيـان، كما قـال سبحـانه: «أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ».(9)
11. الغضب، كما في قولـه: «وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِم».(10)
12. الرضا، كما في قوله: «رَضِيَ اللّهُ عَنْهُم» .(11)
إلى غير ذلك من الصفات الخبرية التي وردت في القرآن الكريم وأخبر عنها الوحي، فللجميع ظواهر غير مستقرة لا تلائم الأُصول الواردة في محكمات الآيات، ولكن بالإمعان و الدقة يصل الإنسان إلى مآلها ومرجعها وواقعها، وهذا
1 . الزمر:67.
2 . طه:5.
3 . المائدة:116.
4 . البقرة:115.
5 . القلم:42.
6 . الزمر:56.
7 . البقرة:186.
8 . الفجر:22.
9 . الأنعام:158.
10 . الفتح:6.
11 . المائدة:119.
(359)
لا يعني حمل الظاهر على خلافه، بل التتبع في القرائن الموجودة في نفس الآية لغاية العثور على الظاهر، إذ ليس للمتشابه ظاهر ظهور مستقرّ في بدء الأمر حتّى نتبعه.
بقي هنا سؤال و هو انّ تفسير الصفات الخبرية في ضوء القرائن الموجودة في الآية ينتهي بنا إلى القول بالتأويل، فأيّ فرق بين هذا و القول بالتأويل؟
والإجابة عنه واضحة، وذلك لأنّه إن أُريد من التأويل هو حمل الكلام على ظهوره التصديقي، سواء أكان المعنى حقيقياً أم مجازياً فهذا أمر مقبول، سواء أسمي بالأخذ بالظاهر أو سمي بالتأويل.
وإن أُريد من التأويل هو صرف ظاهر الآية إلى خلافه فهو أمر مرفوض فانّ ظاهر القرآن حجّة قطعية لا يعدل عنها، إنّما اللازم هو تشخيص الظاهر فانّ من يسمّي هذا النوع من التفسير تأويلاً فإنّما يأخذ بحرفية ظاهر الكلمة وظهورها الافرادي، وقد عرفت أنّ الميزان هو الظهور التصديقي والظهور الجملي.
نعم هناك بحثان آخران ربما نفردهما بالتعريف:
1. تأويل المتشابه الذي ورد في قوله سبحانه: «وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاّ اللّه».(1)
2. تأويل كلّ القرآن الذي ورد في قوله سبحانه: «هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ تَأْويلَهُ يَومَ يَأْتِي تأْوِيلَهُ يَقُولُ الّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْل».(2)
وبما انّ البحث في هذين الموضوعين طويل الذيل نحيل القارئ الكريم في هذا الصدد إلى كتاب «المناهج التفسيرية في علوم القرآن».(3)
1 . آل عمران:7.
2 . الأعراف:53.
3 . المناهج التفسيرية:159ـ 181.